نعيش تطوراً تكنولوجياً، وثورة اتصالات، كما هو واضح، إلا أنه ومع دخولنا في حقبة الذكاء الاصطناعي، تعالت الأصوات التي تتحدث عن فقدان الوظائف، واحتلال الآلة مكان الإنسان، وأن هذه الحالة ستزيد أرقام العاطلين عن العمل، بل إن تقريراً نشره بنك الاستثمار غولدمان ساكس، جاء فيه: «إن الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يحل محل ما يعادل 300 مليون وظيفة بدوام كامل خلال الفترة المقبلة».
والمخاوف أن تزيد أرقام البطالة، وأن يجد الكثير من الناس أنفسهم دون أعمال، إلا أن الواقع ينم ويفصح عن حالة مختلفة تماماً عن هذه النظرة التشاؤمية. فقد جاء في التقرير نفسه: «تأثير الذكاء الاصطناعي، سيختلف بحسب القطاعات المختلفة التي يعمل بها، حيث يمكن استخدامه لإنجاز 46 في المئة من المهام الإدارية و44 في المئة من المهن القانونية، لكن هذه النسب ستتراجع في قطاع البناء إلى 6 في المئة فقط و4 في المئة في قطاع الصيانة».
يفصح لنا التاريخ البشري، عن حالة مشابهة، وهو الخوف من الآلة، بأن تتسبب في انتشار البطالة، وتزايد أعداد الباحثين عن العمل. في بداية القرن التاسع عشر، وعندما بدأت الثورة الصناعية، وبدأ عصر المكينة واستخدامها، في مجالات مثل الزراعة والمصانع ونحوها، تسبب هذا التوجه في تسريح أعداد من الأيدي العاملة، لكن سوق العمل استوعب هذه الأعداد، حيث فتحت مجالات عمل جديدة أمام القوى البشرية العاملة. كأن التاريخ يعيد نفسه، مع اختلاف في المسميات والوظائف والمهام، ولكن الجو العام والمخاوف، هي نفسها.
دون أدنى شك أن أصحاب الأعمال، يفضلون تقنيات الذكاء، ودخول الآلة، بدلاً عن اليد العاملة، لسبب بسيط وهو تمكن هذه الآلة من العمل سبعة أيام في الأسبوع، ولمدة أربع وعشرين ساعة، دون توقف، نحن نتصل على خدمة العملاء في المصارف والبنوك، أو في الدوائر والهيئات الخدمية، فنتلقى رداً من الآلة، التي تعطينا خيارات متعددة، حتى تنفيذ طلبنا، ويمكن أن نتصل في أي ساعة من اليوم. وهذا غير ممكن مع الإنسان. خدمة الرد على العملاء، وخدمتهم، كان يعمل فيها عشرات الموظفين، في كل دائرة أو في أي جهة خدمية، ولكم أن تتخيلوا الموظفين، الذين كانوا يعملون في هذه الوظائف، في قطاع واحد، مثل قطاع الاتصالات، حيث أعدادهم مليونية، على مستوى العالم، ومع هذا وفي غضون وقت قصير لم يتجاوز العقد من الزمن، تم الاستغناء عنهم، واستبدالهم بجهاز.
وأقول على الرغم من تطور الآلة وتقنياتها؛ إلا أن الآلة لا يمكنها أن تحل محل وظائف الإنسان جميعها.

