: آخر تحديث

محمود رضوان.. و«زمن سعاد»..!

1
1
1

يقول المثل الإنكليزي: Jack of all trades, is master of none أو «من يعرف القليل عن كل صنعة، لا يكون أستاذاً في أي منها». ويقابله بالمصرية: «صاحب بالين كذاب».

لو خُيرنا بين أن يقوم بعلاجنا جراح استشاري يعرف كيف يؤدي عمله، ولا يعرف شيئاً خارج نطاق الجراحة، وبين من لا يتقن أداء أي عمل بطريقة محترفة، لكنه يعرف شيئاً من كل شيء، فمن نختار؟ الجواب بسيط وصعب في الوقت نفسه، وربما يمكن استخدام «الحاجة» في عملية اتخاذ القرار. فلو أردنا إجراء عملية قلب مفتوح، مثلاً، فمن الأسلم اللجوء لأفضل استشاري قلب. ولكن لو أردنا اختيار من يرافقنا في رحلة أو سهرة فغالبا لن نكترث إن كان استشارياً في «الوناسة» أو اختصاصياً في أصول السفر، بل سنختار غالباً الأقرب لقلوبنا ونفسياتنا. والأجمل من ذلك أن يكون عبدالحسين عبدالرضا وإبراهيم الرشدان، مجتمعَينِ في شخصية واحدة. ومقالنا ليوم غد، (الجمعة)، سيكون عن الأخير.

أرى في الاستشاري، طبيب الأمراض الجلدية، خالد منتصر، ما أبحث عنه. فهو شخص لبق وأنيق، وابتسامته مرسومة، لا بل محفورة، على وجهه، ومتحدث لا يشق له غبار، وروائي رائع وصاحب قلم رشيق، ومحارب شرس، وباحث جاد، وليبرالي واسع المعرفة.

توقف د. منتصر عن ممارسة مهنته، واختار أن يمسك بالقلم بدلاً من المشرط أو السماعة، ليتفرغ تماماً للدفاع عن أمن وطنه وأمن أسرته، وعن المنطق، في وطنه، والترويج للمحبة والسلام، والبعد عن الغلو، ومحاربة أفكار الجهات المتطرفة، التي تريد من الآخرين ترديد ما تقول، وقراءة ما توافق عليه، والنصح بعدم القراءة، وتناول ما يرونه حلالاً، وارتداء ما يرضون به من لباس، واللحاق بهم للجنّة... ولو عنوة.

في تغريدة لـمحمود رضوان، متعلقة بنقد رواية د. منتصر الأخيرة «زمن سعاد»، يقول في وصفها إنها تشبه شهادة على العلاقة المعقدة بين الفن، الوطن، والتحولات السياسية في مصر الحديثة. ففيها لا تظهر سعاد حسني مجرد فنانة عابرة في تاريخ السينما المصرية، بل تتحول، بوعي سردي حاد، إلى رمز مكثف للدولة المصرية نفسها: في صعودها، انكساراتها، اغترابها، وأحلامها التي لم تكتمل. وينسج د. منتصر خيوطاً درامية ونفسية دقيقة، تربط بين مأساة السندريلا ومسار الوطن، بحيث يصبح الجسد الفردي مرآة للجسد الجمعي، وتغدو السيرة الشخصية مفتاحاً لفهم التحولات السياسية والثقافية، وبالتالي فإن الرواية هنا ليست حكاية عن فنانة مصرية، بل تشريحاً لزمن كامل. فقد كانت سعاد، على الشاشة، مصنعاً للضحك والبهجة والاستعراض، وكانت ابتسامتها أيقونة، وحضورها وعداً دائماً بالفرح، لكن خلف الكواليس، كانت تشكو من معاناة نفسية عميقة، وآلام جسدية قاسية، ووحدة قاتلة لا يراها الجمهور! وهكذا كانت «مصر»، التي كانت تصدّر مختلف صور البهجة الفنية والثقافية، بينما كانت في العمق تعاني أزمات سياسية، وهزائم، وتصدعات فكرية عميقة، وبهجتها هنا لم تكن حقيقية، بل قناعا دفاعيا يخفي الألم.

ثم يأتي الصعود والانكسار، أو الانتقال من التنوير إلى الردة، فسعاد، أو مصر بالأحرى، كانت يوما في ذروة تألقها، خاصة في سنوات التحرر والانطلاق والتنوع. كانت سعاد ابنة زمن يحلم، ويجرب، ويغامر فنيا وفكريا، لكن هذا الصعود لم يدم؛ فمع تدهور حالتها الصحية والنفسية، ذبلت السندريلا سعاد وذبلت معها مصر، وتآكل الجمال، مع هجوم جحافل الانغلاق، فاسحة المجال للتصحر الثقافي، وبدأ الاستغلال والنهش في جسد سعاد أو جسد مصر، ليبلغ المشهد ذروته باغتيال الجسد، ماديا ومعنويا، من خلال الصمت، والتخلي، والتشويه، وليشارك الكل تقريبا في الجريمة، فهل انتحرت سعاد أم قتلت؟ والسؤال ذاته يشمل مصر.

***

رواية «زمن سعاد» جديرة بالقراءة، فكاتبها ليس شخصية عابرة، بل مثقفاً ملتزماً، يسكنه هاجس الدفاع عن المنطق والعقل والدعوة للحرية، في مجتمع يرفض كل هذه الأمور، بالرغم من أنها لصيقة بحياة وكرامة الإنسان، أيّا كان.


أحمد الصراف



عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد