: آخر تحديث

الإنسان بين الملاك والشيطان

24
21
28
مواضيع ذات صلة

يولد الانسان من وحي نبوءة مرئية، وهي المرأة الحامل، و بمجرد ان تتحقق النبوءة، يكون الوليد ولدًا او بنتًا ألف الأبجدية، ومن ثم تكتمل الأبجدية و يتموضع حرف في كلمة، وبعد ذلك كلمة في تعبير، وفي ذروة الوعي ونضج العمر جُمَلٌ متراكمة في سِفْرِ الحياة ...

مسيرة الانسان من الألِفِ الى الكتاب في صفحاته الاخيرة قبل أن يطبق الغلافين على صفحات الكتاب، مسيرة تحمل الجميل والقبيح، الخير والشر، الملاك والشيطان، أي أن الطريق من أوله الى آخره تراكم لتناقضات، وهذا ما يجعل الكمال عَصِيٌّ على الانسان، فمهما بلغ الانسان من عظمة حقيقية وحكمة صادقة ونفس خيرية إلاّ أنه يبقى على مسافة من اكتمال الكمال فيه، و يستحيل عليه عبور المسافة ... الانسان بين الملاك و الشيطان، حيث المسافة الذهنية بينهما أبعد من المسافة بين السماء والارض، ولا يمكن للانسان أن يستوعب المسافة الحقيقية بينهما في ذات الانسان نفسه. منذ أن وعى الانسان، او خيل له انه وعى، الفارق بين الخير والشر، وبالتوازي، بين الملاك و الشيطان، وهو يحث ذاته الواعية لكشف الغطاء عن الملاك والشيطان، ظنًا منه أن هذا الكشف سيكشف له عن المستور في أعماق الوجود .

هناك روايات تاريخية وأخرى أساطير خرافية تصب في هذا الاتجاه، ومن الروايات أن أحد الملوك القدماء أراد أن يرى الملاك والشيطان في كيانين منفصلين متمثلين في الانسان، انسان ملاك أمام انسان شيطان. ألقى المهمة على عاتق فنان كي يجد الانسان الملاك والانسان الشيطان، ويرسمهما في صورة واحدة حتى يستشعر بنظرة واحدة في ذهنه المسافة بينهما.

وجد الفنانُ، بعد جهد جهيد، الانسانَ الملاك في طفل بريء جميل تشع من وجهه أنوار ملائكية تطمئن النفس لها وتنجذب اليها، ولسان حال المشاهد يهمس بكلمات رقيقة الى ذاته بأنه إن كان هناك على الارض من ملاك فهذا الطفل هو الملاك. فتحققت الصورة الاولى لملاك بريشة الفنان الذي أضفى بريشته على جمال الطفل خطوطًا توحي بالروحانية حتى تكتمل صورة الملاك وجهًا وروحًا ويحقق الفنان إنجازه الميتافيزيقي ويرضي الملك الذي كان يترقب الصورة بفارق الصبر، ولكن كان هذا نصف إنجاز، والباقي هو صورة الشيطان. لم يتكلف الفنان وقتًا طويلًا كي يحصل على صورة أشبه بملاك، ولكن جهود البحث طالت زمنًا يزيد على العشرين عامًا بحثًا عن صورة لانسان أشبه بشيطان، مما جعل الملك قلقًا من أن يموت الفنان قبل إنجاز رسم النصف الشيطاني في الانسان، فاضطر أن يساهم في البحث ليسابق الزمن الغدار. حصل الملك والفنان على من يرشدهما الى الانسان الشيطان !

فعلًا من يرى هذا الانسان لا يمكن لذهنه إلاّ أن يتراءى له الشيطان ... شاب في العشرينيات من العمر، رث الملبس، دون ثياب، مكفهر الوجه، كئيب قبيح، قبحه نجاسة وكئابته بشعة، ووجهه رغم صغر سنه كأنه تخطى السبعين، وشعيرات توقفت عن النمو تلوث سطح خديه ورقبته، ورائحته بلغت من النتانة درجة أن تنفر منه حتى الذباب و الحشرات، وحركته ومشيته بين الترنح والتدحرج و التمايل درءًا من السقوط، وصوته حشرجة بالكاد يفهم منه كلمة، وكلماته المسموعة لا تخرج عن حدود السب والشتم واللعن وعهر الالفاظ، وكله على بعضه لا يمكن أن يكون إلاّ الشيطان نفسه.

ابتهج الملك وتنفس الفنان الصعداء، وابتدأ المشوار، مشوار رسم صورة الشيطان بعد الحصول على مادة الشيطان. أخذَ الفنانُ الشابَ العجوز معه الى بيته، وفي ركن من البيت خصص لمهمات الرسم (المرسم) أجلس الشاب على كرسي وباشر الرسم. بعد فترة قصيرة من الجلوس والرسم وتبادل النظرات بين الشاب - الشيطان والفنان انتقلت ذبذبات النظر عند الشاب الى خزينة الذاكرة، فتداخل البصر بزاوية في الذاكرة وتفاعلت معهما النفس، وأمطرت العين لآلئ الحسرة على العمر و وخزات الألم على الحال، وفجأة وقف الشاب صائحًا باكيًا وهو يشير بغضب ويأس الى الفنان صارخًا وصوته يتدافع كالرعد: «الستَ أنت الذي رسمني ملاكًا قبل عشرين سنة ؟... أنتَ ... أنتَ ... أنتْ !!!» وصمت ... وتَسَمَّرَ الشاب في مكانه متصلبًا واقفًا ثابتًا كأنه صنم، ويده ممتدة والسبابة كالسهم تشير الى الفنان ... صعق الفنان مصدومًا مرعوباً مفجوعًا من قوة انفجار المفاجأة، وارتعدت أطرافه وتزغللت نظراته وتصاعدت نبضات قلبه و تدافع الدم مرتدًا من شبكة العروق الى مركز القلب، وانهار وتهاوى على الارض وسقطت أدوات الرسم من يديه، وصار جثة هامدة ممددة على الارض ... جثتان، إحداهما متصلبة قائمة ثابتة، والاخرى ممددة هامدة خامدة ... لوحة حية ناطقة في جو يتنفس من صمت صاخب ونور مظلم ... الملاك - الشيطان صنم قائم ثابت واحد ... والفنان، الباحث عن الملاك في جنة الفردوس وعن الشيطان في نار جهنم، جثة فارقتها الروح من ضربة المفاجأة، فقد اضناه البحث وأردته الحقيقة ...

يخرج الانسان من رحم امرأة ملاكًا صرفًا، ويعود الى أمه التراب مزيجًا من ملاك وشيطان … وهذا وجه من وجوه الحقيقة، والباحثون كثرٌ والبحث قائم دائم دون توقف، والمسافة الى الحقيقة تزداد طولاً، بحثًا بعد بحث.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد