بعد مضي أكثر من شهرين على القرار الأوروبي (ودول G7 أيضاً) الخاص بتحديد سقف أعلى لأسعار النفط الروسي، يمكن القيام بتقييم لجدوى هذا القرار وتأثيره على أسعار النفط في الأسواق العالمية، حيث سيعتمد هذا التقييم على الجوانب الفنية فقط، بعيداً عن الرغبات والمواقف السياسية الجارية من حوله، خصوصاً وأنه يتعلق بأهم سلعة استراتيجية تعتمد عليها معظم دول العالم، كمصدر لا غنى عنه للطاقة.
ومن الناحية الفنية اصطدم هذا القرار منذ البداية ببعض العوائق الخاصة بأساسيات السوق، وفي مقدمتها قانون العرض والطلب والذي يلعب دوراً رئيسياً في تحديد أسعار السلع والخدمات، حيث تشهد أسواق النفط حالةً من التوازن، وهو ما حافظ على أسعار النفط عند معدلات جيدة حتى الآن، بما في ذلك أسعار النفط الروسي، وذلك رغم بيعه بهامش من الخصومات حتى قبل دخول سقف الحد الأعلى حيز التنفيذ.
وبما أن الأمر يتعلق بالعرض والطلب، فقد صرح وزير الطاقة الروسي بأن بلاده لن تبيع النفطَ للدول التي تلتزم بسعر السقف الأعلى المقرر من جانب الاتحاد الأوروبي ومجموعة G7، وهو ما دفع ببعض أعضاء الاتحاد الأوروبي (مثل المجر) إلى استيراد النفط الروسي بأسعار السوق، وربما ببعض الخصومات التي تقدمها روسيا، كما أن اليابان -وفق صحيفة «وول ستريت جورنال»- تشتري النفطَ الروسيَّ فوق السقف السعري، وذلك رغم عضويتها في مجموعة G7، إذ استفادت دولٌ عديدة من هذه الخصومات والتي أبقت أسعارَ النفط الروسي رغم ذلك عند معدلاتها التي تتيح الحصول على عائدات جيدة بشكل عام.
وفي نفس الوقت، فإن أبوابَ السوق الحرة المفتوحة تتيح مجالات تسويقية واسعة لا تقتصر على منطقة جغرافية واحدة، وهو ما حصل بالفعل، حيث تحولت شحنات النفط الروسي بعد المقاطعة من أوروبا إلى آسيا، وبالأخص الصين والهند، حيث وقعت شركة النفط الهندية اتفاقية مع شركة «روسنفت»، وهي أكبر شركة منتجة للنفط في روسيا، لزيادة مشترياتها من النفط بمقدار 11 ضعفاً لتصل واردات الهند من النفط الروسي إلى مستوى قياسي، حيث وجد جزءٌ من منتجات النفط المكررة في الهند طريقَه للأسواق الأوروبية، مما يعني أنه من الصعب تحديد أسعار السلع في الأسواق المفتوحة والتنافسية.
وهناك جانب فني آخر: كيف يمكن أن تحدد سعرَ سلعة وأنت لا تملكها؟ بلدان الاتحاد الأوروبي غير مصدرة للنفط في معظمها، وبالتالي فهي لا تملك الأدوات الخاصة بالتحكم في مستويات العرض، إذ إن مَن يملك هذه الأدوات هي مجموعة «أوبك+»، والتي تخفض الإنتاج بمجرد انخفاض الأسعار عن معدلاتها المرغوبة، مثلما حدث بداية شهر ابريل الجاري وكذلك عند نهاية العام الماضي عندما خفض الإنتاج مرتين بمجموع 3.66 مليون برميل يومياً، مما ثبَّت الأسعارَ عند معدلات عالية، وهو ما يعني أن «قبان» تحديد الأسعار عند دول «أوبك+» وليس عند غيرها من الدول.
والحال أن هناك توجهين متناقضين، الأول يسعى دون أسس فنية قوية لوضع حد أعلى لسعر النفط، والآخر يؤكد على ضروريات الأخذ بأساسيات السوق في التعامل مع مستويات الأسعار. الطرفُ الأولُ لا يملك الأوراق اللازمة للضغط باتجاه تحديد أسعار النفط، وهو ما يضعف موقفَه، في حين يمسك الطرف الآخر بأهم الأوراق الخاصة بتوازن السوق وبقاء الأسعار عند مستويات عادلة تلبي احتياجات ومتطلبات الاقتصاد العالمي واستقراره بعيداً عن التجاذبات الجيوسياسية.
هذه بعض الجوانب الفنية التي لا تساعد على فرض سقف أعلى للنفط وغيره من السلع في الأسواق العالمية، إضافة إلى جوانب أخرى تتعلق بعدم تعاون بقية دول العالم مع التوجه الخاص بالسقف الأعلى للنفط ومع التوجهات الاقتصادية الأخرى المرتبطة بالصراع في القارة الأوروبية، وهو ما أوجد وضعاً استثنائياً أدى إلى موقف منعزل للدول الغربية في القضايا الدولية، ولأول مرة منذ أكثر من مائة عام، مما يستدعي سرعة الخروج من إشكاليات الأزمة للحد من تأثيراتها على الأوضاع الاقتصادية في العالَم والتي تضررت منها كافة الدول.
*خبير ومستشار اقتصادي
تحديد سعر النفط فنياً
مواضيع ذات صلة

