: آخر تحديث

خطة لابيد التي لا تنفع

13
13
13
مواضيع ذات صلة

تتضمن الخطة التي عرضها وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد (الاقتصاد مقابل الأمن في غزة) نيّات لتحسين الأوضاع المعيشية في غزة، ولكنها تكشف في الوقت نفسه عن مستوى مبالغ فيه من الانحطاط الأخلاقي. كما أنها خطة لا تنقصها الرغبة في السلام، فحسب، بل لا تفكر فيه أصلا.

الأزمة في غزة ليست أزمة اقتصادية لمليوني إنسان يعيشون في 410 كيلومترات مربعة مغلقة عليهم من كل الجهات. وهي ليست أزمة أمن بالنسبة إلى إسرائيل، حيث تقوم الفصائل الفلسطينية بتطوير قدرات عسكرية يمكنها أن تهدد أمن المستوطنات الإسرائيلية. إنها أزمة حالة حرب لم تنته بتنفيذ اتفاق شامل للسلام. أزمة علاقة مريرة بين سجين وسجّان، بين ضحية ومغتصب.

يخادع لابيد نفسه عندما يعرض خطة اقتصادية لتحسين الحياة في غزة. ويخدع الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه عندما يجد في هذه الخطة سبيلا لكي يمد نفوذ سلطته غير الشرعية على القطاع، أو أن يجني منها منافع اقتصادية.

لابيد يخادع نفسه عندما يعرض خطة اقتصادية لتحسين الحياة في غزة. ويخدع الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه عندما يجد في هذه الخطة سبيلا لكي يمد نفوذ سلطته غير الشرعية على القطاع

دعك من غزة. فليحل لابيد الأزمة مع الضفة الغربية أولا. أم أنه لا توجد هناك أزمة؟ سلطة الخنوع والذل التي يقودها الرئيس عباس لا تشكل تهديدا أمنيا لإسرائيل. فهل هذا يعني أنه لا توجد أزمة؟ هل يعني أنه لا يوجد مبرر لتقديم حلول؟

كم تمثل الطمأنينة لسلطة الرئيس عباس بالنسبة إلى إسرائيل؟ هذا الرجل، بالمصائب التي يلحقها بشعبه، يمكن أن يذهب إلى الجحيم في أي وقت، بهذه الوسيلة أو تلك. وهو يقبع في جحر خائفا من شعبه الذي يتظاهر ضده، فهل هذا يعني أنه لا حاجة إلى السلام؛ لا حاجة إلى وقف عمليات الاستيطان؛ لا حاجة إلى وقف حملات التهويد في القدس الشرقية؛ لا حاجة إلى وقف التمدد الإسرائيلي في أراضي المنطقة (ج) في الضفة الغربية؟

وفي مقابل ماذا يتم شراء صمت عباس؟ أبصفقات اقتصادية أخرى؟ أم تراه يكتفي بنعمة الرضا عليه؟ وحتى لو كان الرجل لا يطمح في دنياه أكثر من أن يموت وإسرائيل راضية عنه، فهل يعني ذلك أن قصة الصراع انتهت؟

الأزمة في غزة، هي ذاتها الأزمة في الضفة الغربية والقدس. وهي ذاتها الأزمة بالنسبة إلى كل فلسطيني فقد أرضه، وأمضى حياته في سجن، أو حُكم عليه بعشرين مؤبدا.

إسرائيل أكثر بلد في العالم يمتلك سجونا قياسا بعدد السكان. وهي أكبر سجّان في التاريخ. ويبلغ مجموع المحكوميات فيها رقما لم تبلغه أي سلطة تعسف في التاريخ.

وللفلسطينيين 4850 أسيرا في جلبوع والدامون ومجدو والرملة وعوفر وعسقلان وكيدار والنقب ونفحة وعشرات غيرها. وهناك بينهم 543 سجينا محكوما بالمؤبد. والمؤبد في إسرائيل، ليس كما أي بلد في العالم، إذ يبلغ 99 عاما. وهو ما يجعل المجموع الأولي لسنوات سجن المحكومين بالمؤبد 53757 عاما. وهذا لا يشمل أحكام المؤبد المضاعفة التي يُحكم بها على العشرات من السجناء. أحدهم هو عبدالله البرغوثي محكوم عليه بـ67 مؤبدا. أي أنه لن يخرج من السجن إلا بعد مرور 6633 عاما. وكأن إسرائيل تخترع تاريخا افتراضيا للبقاء إلى ذلك الحين.

هؤلاء سجنوا بماذا؟ ومن أجل ماذا؟ وما هي حصتهم من صفقة لابيد الاقتصادية الغبية؟

يكفي إسرائيل عارا أن السجناء فيها لا يستطيعون الهرب، حتى ولو صنعوا تراجيديات تصلح لألف فيلم سينمائي.

التخطيط للهرب حق صامت من حقوق أي سجين. لأنه حلم بالحرية على الأقل. حلم إنساني نبيل لمن يُسجنون على قضية وطنية. إلا في إسرائيل، فالسجين حتى إذا ظل يحفر نفقا للحرية عاما أو عامين، فإنه عندما يخرج، سوف يجد نفسه في سجن أكبر، يقضي فيه خمسة ملايين فلسطيني حكما بالمؤبد. ومن السهل للغاية أن يُعاد إلقاء القبض عليه.

ما هي القضية التي تجعل إسرائيل كلها دولة سجّان وسجين؟ وهل يمكن للحياة في السجن أن تكون مرفهة إذا ما حصل السجين للمرة الأولى بعد سنوات الحصار على طعام أكثر قليلا مما كان يحصل عليه؟

الإسرائيليون ليسوا حمقى ولا أغبياء. ولكنهم يستحمقون رئيس سلطة فلسطينية ذليلا ومتخاذلا. هو يعرف، وهم يعرفون أنه رئيس غير شرعي ولا يحظى إلا بدعم عصابة صغيرة من المنتفعين حوله.

الحق في العيش، في الماء النظيف، في الكهرباء، ليس حقا يليق التفاوض عليه. إنه حق إنساني مسبق. إلا أن إسرائيل ظلت تخنق الملايين الخمسة لكي تجعلهم يتفاوضون على لقمة الطعام في مقابل أن يمنحوها الأمن. أي أن يمنحوها الحق في مواصلة الاستيطان، والحق في نكران حق الفلسطيني في أرضه، والحق في أن يبقى الفلسطيني أسيرا خلف أسوار سجن كبير أو صغير، والحق في أن ترد عليهم بالصواريخ والطائرات والمدافع مع كل حجر أو بالون حراري يطلقه أطفال في غزة. هذه هي المعادلة التي يقترحها لابيد. وهي معادلة إذلال أولا؛ معادلة تجريد متعمد من بديهيات الحقوق الإنسانية.

وتفترض إسرائيل، بما أنها حصلت على موافقة خرتيت نباتي غير مؤذ ويوشك على الانقراض، أنها تستطيع أن تقلب معادلة السلام لتكون معادلة من قبيل “الطعام مقابل الأمن”.

هذه معادلة لا تصنع سلاما، ولن توفر لإسرائيل أمنا لأنها تجانب الموضوع تماما.

أكثر من نصف سكان غزة لاجئون فقدوا أرضهم. السلام يبدأ عندما يسترد هؤلاء بعض حقوقهم؛ يبدأ عندما يتم رفع أسوار الحصار؛ ويطلق سراح السجناء. وإذا هرب أحدهم ليمارس حلما بالحرية، فإنه يجد ملجأ يلوذ إليه، لكي لا يقال إنه خرج من سجن ليجد نفسه في سجن آخر.

الرئيس عباس هو آخر من يمكن لإسرائيل أن تراهن عليه، ليس لأنه فقد شرعيته، وليس لأنه ضعيف عاجز وذليل، بل لأنه لا يمثل قضية شعبه. لا يمثل حتى العصابة التي تدور من حوله. لا يمثل حتى نفسه إذا وقف أمام المرآة لكي تحاكمه على ما ترتكبه عصابته من انتهاكات ومظالم وأعمال قهر.

السلام أولا. وليس الطعام أولا. الأرض والحرية أولا، وليس الكهرباء أولا.

من أين جاء لابيد بهذه الكمية من الغباء لكي يفترض أن معادلاته صالحة حتى للتحدث فيها؟

لابيد يجعل من نفسه أضحوكة إذا ظن أنه يستطيع أن يُغري فلسطينيا واحدا لم يفقد عقله، أو لم يفقد ضميره، أو لم يفقد الحس، بخطته الاقتصادية.

خير لغزة أن تبقى تحت القصف، وخير لخمسة ملايين فلسطيني أن يبقوا يرشقون السجان بالحجارة من أن يقبلوا بعرض مخز يفاوضهم على حقهم في الماء النظيف.

الماء والكهرباء والطعام، منذ متى أصبحت موضوعا تفاوضيا لو لم يكن السجان قد بلغ من الانحطاط الأخلاقي ما بلغ؟ وهل يجوز التفاوض أصلا مع سجان بلغت به السفالة إلى هذا الحد؟

لو أن السجناء الستة الذين فروا من سجن جلبوع، لم يجدوا أنفسهم في جلبوع، لكان الوضع مختلفا. ولكان لوجهة النظر هذه ما يجدر أن يجادلها. ولكن ها نحن هنا. وهذه هي إسرائيل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد