: آخر تحديث

العراق.. لئلا يعود المتطبب «خدادا»!

2
2
2
مواضيع ذات صلة

لم تجف تُرب العشرات مِن ضحايا حريق مستشفى ابن الخطيب(25/4/2021) ببغداد، ولم تُدمل حروق الأحياء منهم، حتى شبَّ الحريق في مجمع النقاء الطّبي بالناصريَّة، اُحرقت عائلات المرضى والعائدين والكوادر الطِّبيَّة، فنيران الحريقين التهمت مرضى الوباء (كورونا) ومعالجيه، وكغيرها مِن الكبائر لم يُشار إلى الفعلة والمسؤولين. ليس مستبعداً، وسط فوضى توزيع المناصب على الأقربين حزبياً وولائياً، أنْ يظهر اجتهاد (مقدس)، يعتبر النار مطهرةً مِن الوباء! لا جنحة ولا خطيئة. 
بعد (2003) كثر إيذاء الأطباء، مَن قُتل ومِن نجا هرباً، لترفع لافتة أمام كلية الطب، تعلن بدء عهد الشعوذة، عليها فتوى تُحرم التشريح، أصدرها مَن لا يُذكر اسمه إلا ولُحق بعبارة «قُدس سُره»، عبارة لم تُلحق حتى بأسماء الأنبياء: «لا يجوز للمدرسين أن يطلبوا مِن طُلابهم ما يُحرم عليهم فعله، ولو في مجال الدراسة نفسه، كتشريح جسد المسلم، أو النظر إلى عورته بلا ضرورة، أو أنْ تكشف المرأة عما لا يجوز لها كشفه مِن جسدها، كشعرها وذراعيها، وكذلك إذا كان الدَّرس منافياً لأوقات الصَّلاة، بحيث تفوت معه الصَّلاة تماماً، إلى غير ذلك مِن المحرمات المحتملة»(عن كتاب فقه الطِّب)! 
ليس لدينا تعليق على فرض الوصايا الدينية على مجالٍ الصحة، وتعليم مثل التعليم الطبي، لكننا ننبه إلى أنه سنوات وأمر الطب بيد أتباع مَن تقدس سره، فما هو وجه الغرابة بحرائق المستشفيات؟! 
أقول: لم أجد مثل هذا التدخل الفظ في الشأن الجامعي، فما بالك في شأن التعليم الطبي. أمامي أوسع كتاب في الحِسبة «معالم القرية في أحكام الحِسبة» لابن الأخوة(ت: 729هجريَّة)، ففي «الحِسبة على الأطباء والكحالين والجرائحيين والمجبرين» ورد: «الطِّب علم نظري وعملي، أباحت الشريعة تعلمه، لما فيه مِن حفظ الصَّحة ودفع العلل والأمراض، عن هذه البُنيّة الشّريفة»، يقصد بُنية الإنسان. يوصي الأطباء بحفظ أسرار المرضى، وأن يؤخذ على الطبيب عهد «أبقراط» الشهير، ويستلم الأجور بعد الشفاء، وفي حالة الوفاة مِن الحِسبة أن تفحص الأدوية الموصوفة عند طبيب آخر، ليبين إذا كانت مناسبة أم لا، مع حث أبناء المسلمين على تعلم الطب، وذلك لكثرة الأطباء مِن غير المسلمين، خصوصاً اليهود والمسيحيين والصابئة(معالم القرية). 
سيعيد التدخل الفقهي في الطب إلى عهد المتطبب الإيراني حكيم خدادا، بعد أن كانت كلية طب بغداد يُشار لتفوقها بالبنان عالمياً. دخل خدادا بغداد مِن همدان- إيران(1885)، يومها لم يوجد سوى مستشفى الغرباء، الذي أنشأه وزير العِراق مدحت باشا(1872)، ثم أُهملَ بعده. فتح خدادا عيادةً، يجلس على منصةٍ، وحوله المرضى على أسِرةٍ خشبيّةٍ، يصف لهم: حليب الحِمار، والطَّباشير، وورد لسان الثّور، ولحية الشَّيخ وغيرها. ظل خدادا مهيمناً لعشرين عاماً ببغداد. كان يستعرض عند خروجه راكباً جواده، محفوفاً بمرافقيه، لكنَّ بضاعته بارت بنهضة الطِّب(الوتري والشَّابندر، تاريخ الطّب في العراق 1939). 
نهض الطِّب الحديث سريعاً، بعد تأسيس الدَّولة الحديثة، منتصراً على طبابة خدادا، مواجهاً الطاعون والكوليرا والجدري والملاريا والسِّل، برزت أسماء أطباء عظام في تخصصاتهم، لكنّ، بتحول الدَّولة إلى اللادولة، آن لخدادا فتح عيادته مِن جديد، وما سلسلة الحرائق في المؤسسات الصحيّة، وإشهار الفتاوى الصَّادرة مِن (المقدسة أسرارهم)، إلا استبدال شعوذة خدادا بتاريخ الطّبيب العِراقيّ الزَّاهر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد