أظهر تقرير "فريدم هاوس" عن الحريات في العالم انحسارها خلال العام الماضي، مع توقع تراجع أكبر في الأعوام المقبلة.
إيلاف من بيروت: أصدرت منظمة "فريدوم هاوس" تقريرها عن أحوال الحريات والديمقراطية في العالم، فأتى بعنوان "الحرية في العالم 2023"، وقد أوضحت فيه أن الحرية العالمية تراجعت للعام السادس عشر على التوالي، وأن الديمقراطية نفسها تتعرض للتهديد في كثير من أنحاء العالم، حيث تم تسجيل معظم التراجعات في الحريات المدنية والحقوق السياسية على مدار العقد الماضي في أفريقيا وأوراسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
بحسب توصيف التقرير، يستمر الطغاة في العالم في تفكيك الديمقراطية بشكل منهجي ليبقوا في السلطة إلى أجل غير مسمى، فيستخدمون الانتخابات الاحتيالية والرقابة والمراقبة والعنف والفساد لسحق أي معارضة، وقمع أي تعبير عن الرأي. وتشكل ميليشيات غير حكومية ومجموعات مسلحة مدعومة من هؤلاء الطغاة تهديدًا متزايدًا للحرية، حيث تقمع الاحتجاجات وتشن الهجمات على المدنيين، لمجرد إدلائهم برأي معارض.
لا استقرار ولا ازدهار
يعبر التقرير أيضًا عن قلق بشأن الحقوق الجندرية، حيث توقف التقدم في حقوق المرأة وحقوق المثليين والحقوق الإنجابية أو حتى انعكس متراجعاً في العديد من البلدان، صارت حكوماتها "أدوات مراقبة" تستخدم جمع البيانات وتستخدم الذكاء الاصطناعي للتجسس على مواطنيها وإخماد أي دعوات للتغيير في مهدها.
تواجه حرية الفكر نفسها تهديدًا مخيفًا، حيث تشكل الرقابة والدعاية وحملات التضليل واضطهاد الأصوات المختلفة عقبة أمام الرأي العام لصالح الحكام. كما يتم تقويض القضاء المستقل الذي يمكن أن يراقب هذه الانتهاكات بالتدخل وتخفيض التمويل. إلى ذلك، تؤدي المشكلات الاقتصادية إلى تراجع الحقوق أيضًا، حيث أدى النمو الضعيف والديون العالية ونقص الفرص والفساد والتفاوت في الدخل إلى انتشار الاستبداد. فمزايا الديمقراطية تبدو أقل وضوحًا عندما تكون الحياة اليومية صعبة، فيما يعد الحكام بالاستقرار والازدهار.
وبحسب التقرير نفسه، تراجع الدعم الدولي للديمقراطية أيضًا، حيث يسعى بعض الدول الديمقراطية في العالم إلى تحقيق أجندات أكثر وطنية والتعاون أقل لدعم الحرية والوقوف ضد الطغاة. وتنظر هذه الدول إلى الديمقراطية بوصفها وسيلة للوصول إلى الغاية بدلاً من مبدأ يوجهها.
التراجع الأكبر
تونس علامة حمراء في التقرير، إذ شهدت انتكاسة كبيرة على جبهة الحريات والديمقراطية. فقد تراجعت درجة تونس 8 نقاط في هذا العام (من 64 إلى 56)، وهو التراجع الأكبر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتألف هذا التراجع من انخفاض 6 نقاط في مؤشر الحقوق السياسية بسبب التغييرات القانونية والدستورية التي أدخلها الرئيس التونسي قيس سعيّد لإضعاف معارضيه، ومن انخفاض نقطتين في مؤشر الحريات المدنية بسبب تقييد سعيّد حرية التعبير والصحافة، وإصداره مرسوماً أضعف القضاء وحد من استقلاله.
في إيران، وبفضل انتفاضة الحجاب، تراجعت نقطتين في مؤشر الحريات المدنية. أما في لبنان، فاللافت هو تسجيله ارتفاعاً بنقطة واحدة في مؤشر الحقوق السياسية على الرغم مما يسوده من اضطراب سياسي وأمني واقتصادي، ويرد ذلك إلى تمكن مرشحين مستقلين مرتبطين بالحراك الاحتجاجي التي يدعى "ثورة 17 تشرين" من الفوز بثلاثة عشر مقعداً في الانتخابات النيابية التي جرت العام الماضي، متحدين إرادة الأحزاب الطائفية التي تمسك بزمام الأمور في البلاد.
توصيات في التقرير
وإذ يصوّر تقرير منظمة "فريدوم هاوس" صورة مقلقة للديمقراطية والحرية في جميع أنحاء العالم، فإنه يوفر توصيات عدة للدفاع عن الديمقراطية وتعزيز الحرية ومواجهة التهديدات، ومنها:
إعادة إحياء أجندة الديمقراطية: على الديمقراطيات العمل معًا بشكل أكثر حيوية لتعزيز القيم الديمقراطية ودعم الحرية في جميع أنحاء العالم، حيث تكون الديمقراطية نفسها في خطر.
الدفاع عن الحريات المدنية والحقوق السياسية: على الديمقراطيات رفع الصوت ضد أي هجمات على الحرية الكلامية والحرية الصحفية وحرية التجمع والانتخابات النزيهة وسيادة القانون في الدول الأخرى. ويجب أن تتوافق الأفعال مع الأقوال.
فرض تكاليف على الاستبداد: يمكن أن ترفع العقوبات المستهدفة وقيود تدفق التكنولوجيا والأموال وغيرها من العقوبات تكاليف السلوك الاستبدادي في أي دولة، شرط تنفيذها بصدقية ونزاهة.
تعزيز الفرص الاقتصادية: تستمر الديمقراطية بتحسين الحكم ومكافحة الفساد والتمسك بنماذج اقتصادية مستدامة وعادلة وضمان تلبية جميع احتياجات المواطنين الأساسية وتمكينهم.
مواجهة التهديدات التي تستهدف الفكر والمفكرين: يجب منع الرقابة والدعاية وحملات التضليل والهجمات على المجتمع المدني والتعامل معها من خلال الضغط الدولي ودعم المضطهدين بسبب أفكارهم.
الوقوف مع المدافعين عن الحرية: يستحق الشجعان الذين يقاتلون على الجبهة الأمامية من أجل حقوق الإنسان والحريات المدنية والمساواة والديمقراطية نضالًا عالميًا وحماية دولية. فإن فشلهم سيطفئ شمعة الحرية.
بناء الحواجز التقنية: سن قوانين ورسم سياسات وترويج أفكار تضمان عدم إساءة استخدام التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي لفضح الخصوصية وتقييد الحرية والافلات من العدالة.
إعادة بناء الثقة في الديمقراطية: على الديمقراطيات العمل على تجديد الثقة في المؤسسات والقيم الديمقراطية من خلال تحقيق وعودها وتبني التنوع ومكافحة الفساد وإظهار الاهتمام بالمواطنين كلهم، وعدم الاقتصار على النخب.
يمكن الاطلاع على تقرير "فريدوم هاوس" كاملًا هنا


