: آخر تحديث

الخطأ الثاني لمسعود البارزاني

17
19
15

يبدو أن نجم الزعيم الكردي مسعود البارزاني بدأ بالأفول في ظل توالي القرارات القاسية للمحكمة الاتحادية العراقية ضد سلطته وحكومته. فبعد أن استعادت تلك القرارات سيطرته الكاملة على أموال الإقليم من تصدير النفط والجمارك، أصدرت مؤخراً قراراً قصمت ظهر حكومته وهو قرار توطين رواتب موظفي الإقليم، ما أثار حالة من الفزع لدى البارزاني وحزبه الحاكم باعتبار أن هذه الحكومة لن تستطيع بعد هذا القرار استغلال قوت الشعب الكردي لحشد الدعم لسلطته، ولم يعد بمقدوره أيضاً أن يستأثر بالعائدات النفطية والجمركية لشراء ذمم مؤدين له داخل وخارج الإقليم وإعاشة الآلاف من الأقلام المأجورة من الكتاب والإعلاميين والصحفيين الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا بوقاً دعائية لصالح حكم عائلته في كردستان.

ارتكب مسعود البارزاني أكبر خطأ في تاريخه السياسي حين حاول عبر استفتاء عام 2017 الانفصال عن العراق وتأسيس دولة كردية مستقلة، التي عجز عنه والده الراحل الملا مصطفى البارزاني، بالرغم من كل الدعم الدولي والإقليمي والشعبي الذي حظيت به زعامته وثورته الممتدة من 1961 إلى 1975 المعروفة بثورة أيلول، فاضطر تحت الأمر الواقع بقبول صيغة حكم ذاتي لا تختلف كثيراً عن مفهوم الإدارة المحلية للمحافظات الكردية الثلاث. لكن ما فعله مسعود بارزاني كان خطأ فادحاً حين رفض الاستماع إلى النداءات الدولية بما فيها الإدارة الأميركية ودول التحالف الدولي ومناشدات أحزاب وشخصيات والكتاب المخلصين، فركب رأسه بعناد لا يعرف الكثيرون إلى اليوم أسباب هذا العناد، وأصر على خوض تلك المغامرة الطائشة والخاسرة سلفاً دون أي اعتبار لتلك النداءات المخلصة. واليوم ونتيجة لنفس العناد المتصف به هذا الزعيم الكردي، أعلن مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة المقرر إجراؤها في العاشر من حزيران (يونيو) القادم، وهدد في الوقت ذاته بالانسحاب من العملية السياسية في العراق.

يتركز خلاف البارزاني مع بغداد هذه المرة بإصرار نجله مسرور بارزاني رئيس الحكومة بفتح حساب مصرفي خاص به تودع فيه حكومة بغداد رواتب موظفي الإقليم شهرياً، وهذا ما ترفضه وزارة المالية العراقية بذريعة أنها لا تتعامل إلا مع المصارف الحكومية العراقية (البنك المركزي ومصرفي الرافدين والرشيد). ويثير هذا الإصرار العجيب من حكومة الإقليم على إيداع المبالغ بالمصرف التابع لنجل البارزاني الكثير من التساؤلات المشروعة حول الهدف من وراء كل ذلك؟! وهل أنَّ رئيس الحكومة يريد أن تبقى رواتب الموظفين رهينة تحت يديه كما كانت الأمور في السنوات العشرين الماضية، أم أنه يسعى إلى تحقيق المزيد من الأرباح والسيطرة على الأموال المتدفقة من بغداد؟!

أما ما يتعلق بموقف مسعود البارزاني من الانتخابات البرلمانية، فنحن نرى أنَّ الموضوع لا يعدو سوى خوفه من خوض تلك الانتخابات واحتمالات فشل حزبه من الحصول على الأغلبية البرلمانية مما سيؤدي بالتالي إلى فقدانه السلطة والسيطرة على شؤون الإقليم. فبعد أن أضعفت قرارات المحكمة الاتحادية سلطة البارزاني من خلال إلغاء الكوتا التركمانية والمسيحية، ما أفقد حزب البارزاني دعم 11 مقعداً برلمانياً كان يتحكم به. وقرار إيقاف تصدير النفط ألحق بدوره أفدح الأضرار ببارزاني لأن هذا القرار جفف خزينة البارزاني من أموال طائلة كان يستخدمها لشراء الأحزاب والشخصيات وحشد الدعم الدولي عبر لوبيات في أميركا والدول العظمى الأخرى، وأخيراً جاء قرار توطين الرواتب الذي قصم ظهر البارزاني وحزبه لأنه لم يعد بإمكانهما بعد الآن ابتزاز المواطنين واستغلال أقواتهم اليومية لمصالحهم الحزبية.

إقرأ أيضاً: عاصمة كردستان بلا كهرباء!

وطبعاً هناك النقمة الشعبية والغضب العارم الذي يسيطر على عموم الشعب الكردستاني، وخصوصاً ضد حكم البارزاني وحزبه بسبب اخفاقهم وفشلهم الذريع في إدارة الاقليم من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعجزهم الكامل عن توفير أدنى مستويات المعيشة للمواطن الكردستاني، ما سيدفع الشعب إلى الانتقام من هذه السلطة الفاشلة في الانتخابات القادمة.

وأخيراً، لا شك في أنَّ البارزاني وسلطته القمعية أصبح منبوذاً على المستوى الدولي بسبب دكتاتوريته واستمرار نظامه في قتل واعتقال الصحفيين والتضييق على الحريات الفردية والاعلامية وقطع رواتب الموظفين. فكل هذه الأمور مجتمعة يثير الخوف والفزع لدى البارزاني من خوض الانتخابات وهو في أدنى حالات الضعف والدعم الشعبي له، لذلك يختلق مبررات غير معقولة لمقاطعة الانتخابات من خلال الادعاء بأنه لا يؤمن بانتخابات مفروضة عليه، في حين أن من فرض عليه تلك الانتخابات هو نيجيرفان بارزاني رئيس الإقليم وهو ابن أخيه وصهره ولم تفرض عليه من خارج الإقليم.

هناك دعوات ملحة من أميركا ودول أوروبا والأمم المتحدة بضرورة إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة بموعدها المقرر في العاشر من حزيران (يونيو) المقبل، وهناك دعوات مماثلة من أغلبية الأحزاب السياسية في كردستان بهذا الصدد، فهل يستطيع مسعود البارزاني إدارة ظهره لكل هذه الدعوات والنداءات كما فعل في مسألة الاستفتاء السابق ويرتكب نفس الخطأ التاريخي بإهمال دعوات دول العالم للتعقل والتصرف بحكمة مع الأحداث السياسية، أم أنه بعناده الغريب سيدفع هو وحزبه ثمنا فادحا بسبب المقاطعة المنتظرة؟

إقرأ أيضاً: حرية الرأي في كردستان العراق

لقد تم إقصاء الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي كان يمتلك 73 مقعداً برلمانياً داخل مجلس النواب ولم تتوقف العملية السياسية في العراق. وتمت الاطاحة برئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي ولم تقم قيامة السنة في العراق، فإذا قاطع مسعود البارزاني الانتخابات البرلمانية القادمة فلا يعني ذلك نهاية إقليم كردستان، وحتى لو نفذ تهديده الانفعالي بالانسحاب من العملية السياسية في العراق فلا يعني ذلك قيام الساعة، فلم يعد هو ذلك المرجع السياسي الذي يحتمي به الآخرون ويطلبون وده، فهو اليوم بسبب أخطائه الفادحة في إدارة سلطة إقليم كردستان أصبح مهيض الجناح يتلوى تحت ضربات موجعة من المحكمة الاتحادية ومن غضب شعب كردستان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف