قبل أكثر من قرن، دخل مصطلح (جمهوريات الموز) إلى القاموس السياسي العالمي ليصف دولًا اختُطفت من الداخل قبل أن تُحتل من الخارج، دولًا كانت تمتلك أعلامًا وحدودًا وحكومات، لكنها لم تكن تمتلك قرارها!
كان الموز مجرد رمز، أما الحقيقة فكانت انهيار الدولة أمام المال والنفوذ والاحتكار. اليوم، وبعد أن تبدلت خرائط القوة وتغيرت أدوات السيطرة، أرى أن العالم، وخصوصًا منطقتنا، يحتاج إلى مصطلح جديد يصف حالة أكثر غرابة وأشد خطورة. لذلك أقترح مفهوم (جمهوريات الباذنجان).
ولأن الباذنجان ليس المشكلة، فإن التسمية ليست زراعية، بل رمزية. إنها توصيف للدولة التي لا تعيش على محصول واحد، بل على عقل واحد، عقل يرفض التطور، ويخشى المراجعة، ويحوّل الإدارة إلى طقوس، والسياسة إلى مسرح، والإنجاز إلى بيان صحفي!
في جمهوريات الباذنجان لا تنهار الدولة بسبب الفقر، بل بسبب وفرة الأعذار. كل أزمة تجد لها لجنة، وكل لجنة تنتهي إلى لجنة أخرى، حتى يصبح الوقت نفسه موظفًا حكوميًا ينتظر توقيعًا لن يأتي!
هناك لا تُصنع القرارات، بل تُرحَّل. لا تُحل المشكلات، بل يُعاد ترتيبها حتى تبدو جديدة. أما المستقبل، فيُعامل كضيف ثقيل يمكن تأجيل استقباله إلى إشعار آخر!
في هذه الجمهوريات، تتحول الكفاءة إلى تهمة لأنها تكشف عجز الآخرين، ويتحول النجاح إلى مصدر قلق لأنه يربك منظومة اعتادت مساواة الجميع عند مستوى الفشل. ولذلك لا يُسأل المسؤول: ماذا أنجزت؟ بل يُسأل: كيف حافظت على التوازن؟ وكأن الجمود فضيلة، وكأن الحركة مؤامرة.
جمهوريات الباذنجان لا تعادي العلم في العلن، لكنها تحاصره في الواقع. تبني مؤتمرات عن الابتكار، بينما تغلق أبواب المختبرات. تتحدث عن الذكاء الاصطناعي، لكنها تخاف من الموظف الذي يقترح أتمتة معاملة ورقية. ترفع شعارات التحول الرقمي، بينما لا يزال المواطن يحمل ملفًا ورقيًا لإثبات أن الملف الورقي موجود.
وفيها تصبح اللغة نفسها ضحية. تُستبدل الحقائق بالمصطلحات، والنتائج بالشعارات، والخطط بالوعود. كل شيء يبدو ناجحًا على الورق، حتى تأتي لحظة الاختبار، فتكتشف أن البناء كله كان قائمًا على بلاغة الخطاب لا على صلابة المؤسسات!
ومن أخطر سمات جمهوريات الباذنجان أنها تعيش على استهلاك الماضي. كلما عجزت عن صناعة إنجاز جديد، فتحت متحفًا للإنجازات القديمة. وكلما تأخر الحاضر، ارتفع صوت الحديث عن أمجاد الأمس، حتى يصبح التاريخ وسيلة للهروب من المستقبل بدلاً من أن يكون جسرًا إليه.
إن الدولة الحديثة تُقاس بسرعة اتخاذ القرار، أما جمهورية الباذنجان فتُقاس بسرعة إنتاج المبررات. الدولة الحديثة تقيس الزمن بالدقائق، أما هي فتقيسه بالمواسم. العالم يطلق نموذجًا جديدًا للذكاء الاصطناعي كل أشهر، بينما لا تزال هي تناقش تشكيل لجنة لدراسة إمكانية تشكيل لجنة!
وفي هذا النموذج، لا يصبح الفساد مجرد سرقة للمال، بل سرقة للزمن. لأن أخطر ما يمكن أن يُسرق من الأمم ليس ثرواتها، بل سنواتها. الأموال يمكن تعويضها، أما العقود التي تضيع في الدوران داخل الحلقة نفسها فلا يعيدها شيء.
جمهورية الباذنجان لا تحتاج إلى عدو خارجي كي تتراجع، فهي تستهلك نفسها بنفسها. تخاف من المبادرة، وتشك في الموهبة، وتطمئن إلى الرداءة لأنها أكثر قابلية للإدارة. ولهذا، فإنها تخسر عقولها قبل أن تخسر استثماراتها، ويهاجر منها المستقبل قبل أن يهاجر الشباب.
إنني لا أطرح هذا المفهوم للسخرية من دولة بعينها، بل للتحذير من عقلية يمكن أن تصيب أي دولة، مهما كان حجمها أو ثروتها. فعندما يصبح المنصب أهم من المشروع، والولاء أهم من الكفاءة، والصورة أهم من الحقيقة، تكون الدولة قد دخلت بالفعل مرحلة (جمهورية الباذنجان)!
إن الأمم لا تنهض بالصدفة، ولا تسقط بالصدفة. بين الصعود والانحدار خيط رفيع اسمه العقل المؤسسي. فإذا غاب، تحولت الدولة إلى كيان يكرر أخطاءه باحتراف، ويعيد إنتاج أزماته بثقة، ويصفق لنفسه وهو يتراجع.
ولذلك، فإن (جمهوريات الباذنجان) ليست شتيمة سياسية، بل إنذار مبكر. إنها اسم لمرحلة يصبح فيها العبث نظامًا، والتأجيل سياسة، والارتجال منهجًا، حتى يبدو الفشل وكأنه قدر، مع أنه لم يكن يومًا سوى قرار.


