مثلما أنَّ الحرب الدائرة بين النظام الإيراني من جهة وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، صارت الشغل الشاغل للعالم، فإن المفاوضات الجارية أيضًا تأخذ حيزًا كبيرًا من الاهتمام العالمي، ولا سيما وأن هذه الحرب تطل بظلالها السلبية الكئيبة على الاقتصاد العالمي والسلام والأمن بنفس القدر، ولذلك فإن الحديث يدور الآن حول كيفية حسم هذه الحرب بما يكون في خدمة الاقتصاد والأمن والسلام العالمي.
بطبيعة الحال ليس بإمكان أحد أن يقارن بين قدرات الطرفين المتحاربين، إذ من الواضح أن النظام الإيراني هو الطرف الأضعف فيها، إلا أنه يقوم باستغلال عدة عوامل من أجل المحافظة على بقائه، ولعل في مقدمتها الموقع الجيوسياسي لإيران والإمكانات الهائلة التي تمتلكها، ناهيك عن عبثه وتلاعبه بالأمن والسلام في المنطقة استمر 47 عامًا، مما أثر على مختلف الأوضاع وجعله يقوم بتوظيف ذلك لخدمة أهدافه وغاياته، ولذلك فإنه، وكما أثبتت العقود الأربعة السابقة، أصبح العقدة وحجر العثرة الأساسي في المنطقة والعالم بوجه استتباب السلام والأمن.
الملاحظة الأهم التي يجب للمجتمع الدولي عمومًا وللدول المعنية بالدور والتأثير السلبي لهذا النظام أن يأخذوها بنظر الاعتبار، هي أن آخر ما يهمه هو مصلحة الشعب الإيراني، ولا سيما وأن الخط العام لسياساته ونهجه تحديدًا، وهذه الحرب المدمرة، تسير كلها باتجاه مضاد لما يريده ويطمح إليه الشعب الإيراني، وهذا يعني بأنه نظام فريد من نوعه من حيث الشر والعدوانية غير العادية التي يشكلها للأمن والسلام العالمي، خصوصًا وأن نشاطاته وعملياته الإرهابية قد تجاوزت حدود المنطقة ووصلت إلى سائر أرجاء العالم.
ولأن النظام يعلم جيدًا أن العالم يريد إيقاف الحرب ووضع حد لها، فإن النظام يسعى من أجل استغلال ذلك لكي يخرج من الحرب بمكتسبات تضمن له البقاء وإعادة صفوفه لكي يعود إلى ما كان عليه، حيث إن 47 عامًا المنصرمة أثبتت استحالة تخليه عن نهجه وعن مخططاته ودوره السلبي المشبوه في المنطقة والعالم، وهو الأمر الذي حذرت منه المقاومة الإيرانية على الدوام وشددت بأن هذا النظام عاش ويعيش على إثارة الحروب والأزمات وتصدير التطرف والإرهاب، بل والأهم من ذلك أنها أكدت أيضًا بأن لا الحروب ضده ولا التواصل والمفاوضات معه من خلال سياسة الاسترضاء بإمكانها أن تحدث تأثيرًا إيجابيًا في دفعه للابتعاد عن نهجه وسياساته السلبية، بل وحتى إنها تمنحه المزيد من الأسباب والعوامل للبقاء والاستمرار.
غير أن المقاومة الإيرانية، وهي تقوم بذكر كل ما أشرنا إليه آنفًا، لكنها في نفس الوقت أكدت أن حسم الأوضاع والأمور في إيران بما يخدم استتباب السلام والأمن في المنطقة والعالم ينطلق من تغيير سياسي جذري في إيران من خلال إسقاط النظام على يد الشعب والمقاومة الإيرانية وإقامة نظام سياسي يعبر عن آمال وطموحات الشعب الإيراني وأجياله القادمة، يعتمد على مرتكزات شفافة تنبع من برنامج الـ10 بنود للسيدة مريم رجوي، والذي أصبح غنيًّا عن البيان، وأن المطلوب من المجتمع الدولي ليس تقديم المال والسلاح للمقاومة الإيرانية كما أوضحت مريم رجوي بهذا الصدد، وإنما تحديد العلاقات السياسية والاقتصادية مع النظام والاعتراف بالنضال المشروع الذي يخوضه الشعب والمقاومة الإيرانية من أجل الحرية وإسقاط النظام.
وختامًا، لا بد من التأكيد على أن القصف والحروب الخارجية لن تفضي إلى إسقاط النظام، فهذا النظام لن يتخلى طواعية عن طموحاته النووية، ولا عن أذرعه الميليشياوية، ولا عن نهجه القمعي في الداخل. لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الشعب والمقاومة الإيرانية هما القطب الأوحد الذي لا بديل له في المعادلة، فهذا هو المحرك الحاسم القادر على نقل إيران من دكتاتورية الكهنوت إلى رحاب جمهورية ديمقراطية تعددية تكرس سيادة الشعب.


