: آخر تحديث

بغداد في عين العاصفة: الفيتو الأميركي ومعركة الحكومة العراقية القادمة

4
3
4

دخلت أزمة تشكيل الحكومة العراقية، بعد مرور 3 أشهر على انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 التي لم تنتج توافقاً سريعاً، منعطفاً حاسماً خلال الساعات 48 الماضية، حيث تحولت العاصمة بغداد إلى ساحة حراك دبلوماسي دولي مكثف تقوده واشنطن لإعادة صياغة المشهد السياسي. وفي قلب هذا الحراك، جاءت لقاءات المبعوث الأميركي الخاص، توم باراك، يوم أمس الجمعة، مع أبرز أقطاب السلطة والقرار، لتبلور ملامح الصراع بين "الاستحقاق الداخلي" و"الفيتو الخارجي".

غير أن ما يميز هذه الجولة الدبلوماسية هو توقيتها الحساس، إذ تتزامن مع تصاعد اللهجة الأميركية تجاه إيران وحلفائها في المنطقة، في ظل مفاوضات شاقة وغير مستقرة حول الملف النووي الإيراني، وتوترات إقليمية متصاعدة في أكثر من ساحة. ما يجعل من بغداد ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة القوى السياسية العراقية على المناورة بين ضغوط دولية لا يمكن تجاهلها واستحقاقات شعبية تتصاعد مع كل يوم تأخير في تشكيل الحكومة.

أحدثت لقاءات المبعوث الأميركي المنفصلة مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، زلزالاً سياسياً في أروقة "الإطار التنسيقي". فالجولة لم تكن استطلاعية بقدر ما حملت طابع الإنذار المبكر، لا سيما أن باراك، الذي يتمتع بخبرة طويلة في ملفات الشرق الأوسط ويعمل كمبعوث خاص إلى سوريا مع امتداد مهامه إلى الملف العراقي في إدارة الرئيس دونالد ترامب، اختار أن ينقل الرسائل الأميركية بصورة مباشرة وحاسمة، متجاوزاً القنوات الدبلوماسية التقليدية، في مؤشر على جدية الموقف الأميركي وخطورة المرحلة.

وفي لقاء نوري المالكي، كشفت تقارير صحفية عربية وعالمية أن الاجتماع لم يكن بروتوكولياً، بل حمل رسائل حازمة تعكس رؤية إدارة ترامب الرافضة لعودته إلى رئاسة الحكومة. إذ أبلغ باراك المالكي صراحة بأنه "لا يمتلك فرصة حقيقية" لتولي المنصب مرة ثالثة، وفقاً لمصادر مطلعة على تفاصيل اللقاء. وفيما شدد المالكي على ضرورة "احترام السيادة الوطنية وخيارات الشعب العراقي"، يرى مراقبون أن واشنطن تلوح بورقة العقوبات الاقتصادية والضغط على النظام المالي العراقي كأداة ردع مباشرة لقطع الطريق أمام هذا الترشيح.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن النقاش تطرق إلى إمكانية تجميد أرصدة عراقية في البنوك الأميركية أو فرض قيود صارمة على تحويلات الدولار، وهي ورقة ضغط استخدمتها واشنطن سابقاً وأثبتت فعاليتها في توجيه سلوك القوى السياسية. كما جرى الحديث عن تحديد نهاية هذا الأسبوع أو بداية الأسبوع المقبل موعداً محتملاً لبدء تطبيق هذه الإجراءات، التي قد تبدأ بشخصيات سياسية بعينها قبل أن تمتد إلى مصارف ومؤسسات مالية مسؤولة عن التحويلات الخارجية.

اللافت هنا أن المالكي، الذي ظل لسنوات يقدم نفسه بوصفه صانع توازنات داخلية وإقليمية، وجد نفسه هذه المرة في موقف المدافع عن شرعيته السياسية أمام قوة خارجية لا تعترف بالضرورة بمنطق التوافقات الداخلية بقدر ما تحكمها حسابات المصالح الاستراتيجية.

أما لقاء محمد شياع السوداني، فقد ركز فيه باراك على ملف "الاستقرار الإقليمي" بشكل غير مسبوق. فالسوداني، الذي أدار مرحلة صعبة اتسمت بضغوط أميركية متواصلة لضبط العلاقة مع إيران، واحتواء التوتر مع إقليم كردستان، وإعادة ترتيب العلاقات مع دول الخليج، والذي أعلن في وقت سابق انسحابه من الترشح لولاية جديدة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار جديد أكثر تعقيداً.

واشنطن تربط دعمها لأي حكومة قادمة بمدى قدرتها على تحييد السلاح المنفلت، والحد من نفوذ الفصائل المسلحة، والابتعاد عن سياسة المحاور، وهو ما وضع السوداني في موقف الباحث عن "منطقة رمادية آمنة" توازن بين ضغوط الداخل ومطالب الخارج. ويضاف إلى ذلك أن السوداني يحاول استثمار شبكة علاقاته الدولية، التي بناها خلال فترة رئاسته للحكومة، ليقدم نفسه كخيار توافقي يحظى بقبول غربي وعربي، في مقابل عودة المالكي التي تثير قلقاً إقليمياً ودولياً واسعاً، خصوصاً لدى دول الخليج ومصر والأردن.

تأتي هذه التحركات وسط ذروة التأزم في العلاقة بين واشنطن وطهران، حيث يُنظر إلى هوية رئيس وزراء العراق القادم باعتبارها "حجر زاوية" في الاستراتيجية الأميركية الجديدة بالمنطقة. فالتقارير الاستخباراتية الأميركية تشير إلى أن واشنطن تعتبر العراق الحلقة الأضعف في سلسلة النفوذ الإيراني، وبالتالي فإن إبعاد شخصية مثل المالكي، التي تُصنف ضمن "الحرس القديم" القريب من طهران، يمثل أولوية قصوى للإدارة الأميركية، في سياق إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي.

المعضلة العراقية الحقيقية أن "الإطار التنسيقي" يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: فإما المضي بترشيح شخصيات صدامية والمخاطرة بعزلة دولية خانقة وأزمات اقتصادية حادة تتعلق بسعر صرف الدولار وعقوبات محتملة على شركة "سومو" النفطية، ما قد يهدد صادرات العراق التي تبلغ نحو 3.5 مليون برميل يومياً، أو الرضوخ لضغوط باراك والبحث عن "مرشح تسوية" يحظى بقبول دولي.

وتتحدث كواليس السياسة عن أسماء بديلة مطروحة، بينها قادة سابقون في الحكومة، أو شخصيات تكنوقراطية قريبة من التيار الصدري، أو حتى من داخل الإطار نفسه لكنها لا تثير جدلاً واسعاً. غير أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن "التوافق" غالباً ما يأتي على حساب الكفاءة والقدرة التنفيذية، ما يعني أن العراق قد ينتقل من أزمة تأخير تشكيل الحكومة إلى أزمة حكومة ضعيفة غير قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية.

ويضاف إلى ذلك الرفض المبكر من قبل الأحزاب السنية لترشيح المالكي، الأمر الذي يعزز من صعوبة حصوله على أغلبية برلمانية مستقرة، وسط تعقيدات اختيار رئيس الجمهورية بين الأحزاب الكردية المتنافسة، وتضارب المصالح داخل البيت الكردي نفسه.

ولم تقتصر جولة المبعوث الأميركي على القادة السياسيين، بل شملت لقاءات مع وزير الخارجية فؤاد حسين ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان. وهي لقاءات تؤكد أن واشنطن تتابع بدقة "المسارات الدستورية" لضمان عدم انزلاق العملية السياسية نحو الفوضى، مع الإصرار على تشكيل حكومة "منفتحة إقليمياً" تبتعد عن دائرة النفوذ الإيراني المطلق.

ويحمل لقاء القاضي زيدان رسالة مزدوجة: أولها أن الولايات المتحدة تسعى لضمان أن أي قرار سياسي سيكون محصناً بقرارات قضائية لا يمكن الطعن فيها بسهولة، وثانيها أن واشنطن تضع خيارات قانونية احتياطية في حال انسداد الأفق السياسي، من بينها اللجوء إلى المحكمة الاتحادية لتفسير مواد دستورية قد تسهم في كسر الجمود.

ووفقاً لمعطيات اليومين الأخيرين، تتجه الأزمة نحو مسارين رئيسيين:

الأول هو خيار التسوية، الذي يعني سحب الترشيحات المثيرة للجدل وطرح أسماء بديلة، أو حتى التجديد للسوداني كخيار "ضرورة سياسية" لتهدئة المجتمع الدولي والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والاقتصادي. وهو خيار قد يرضي واشنطن مؤقتاً لكنه لن يعالج الإشكال البنيوي في النظام السياسي العراقي، بل قد يؤجل الانفجار إلى موعد لاحق.

أما المسار الثاني فهو خيار التصادم، الذي يعني تمسك القوى السياسية بمرشحيها، ما قد يدفع العراق نحو انسداد سياسي طويل الأمد يتزامن مع ضغوط اقتصادية أميركية غير مسبوقة. وفي هذه الحالة، قد يتكرر سيناريو عام 2010 حين تعطلت عملية تشكيل الحكومة لأشهر طويلة، لكن ضمن ظروف إقليمية ودولية أشد تعقيداً، مع احتمال دفع قوى سنية وكردية للبحث عن تحالفات مباشرة مع واشنطن، بما يعمق الشرخ الداخلي.

يبدو أن "حقيبة باراك" الدبلوماسية قد وضعت الجميع أمام خيارات قاسية، بانتظار ما ستسفر عنه اجتماعات قادة الإطار التنسيقي في الساعات المقبلة للرد على هذه التحولات المتسارعة. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يستطيع العراق بناء حكومة تعبر فعلاً عن إرادة أبنائه في ظل هذا التدافع الإقليمي والدولي؟

الإجابة لن تأتي من بغداد وحدها، بل من طهران وواشنطن أيضاً. وما يزيد المشهد تعقيداً أن الشارع العراقي، الذي خرج في احتجاجات تشرين الأول (أكتوبر) 2019 مطالباً بالتغيير الجذري، بات يراقب هذه الصراعات من بعيد، وهو ما قد ينذر بانفجار اجتماعي جديد إذا استمرت النخبة في تغليب ولاءاتها الخارجية على استحقاقات الداخل.

وفي هذا السياق، يبرز التأثير المباشر لأي تصعيد على الاقتصاد العراقي الهش، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على عائدات النفط، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وتفاقم البطالة، وشح السيولة، في حال تصاعدت العقوبات أو القيود المالية، خاصة مع ارتباط البنك المركزي العراقي بالمنظومة المالية الأميركية، وهو ما يجعل القرار الاقتصادي العراقي رهينة لتقلبات السياسة الدولية.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.