في العام 2026، يقف العراق أمام مفترقٍ حاسمٍ في تاريخه الحديث. ليس السؤال اليوم عمّا كان قبل 2003 أو ما بعده فحسب، بل عن كيفية إدارة حاضرٍ لا يقبل التردّد، ولا بديل فيه عن بناء دولة قادرة على احتضان العراقيين جميعًا. بعد أكثر من عشرين عامًا من التحولات السياسية والأزمات المتكررة، بات واضحًا أن البلاد تحتاج إلى مراجعة هادئة وعميقة، لا تنطلق من جلد الذات ولا من تبرير الفشل، بل من إدراكٍ مسؤول بأن مستقبل العراق لا يُصان إلا إذا كان الجميع في قارب واحد، يتقاسمون المخاطر كما يتقاسمون الأمل.
التجربة السياسية منذ 2003 أظهرت أن الدولة لا تُبنى بالمحاصصات ولا بالشعارات العالية، بل بمؤسسات راسخة وثقة عامة. تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تؤكد أن ضعف الحوكمة وتفاوت الخدمات وتراجع الثقة بالمؤسسات ما تزال تحديات مركزية في العراق، وأن تجاوزها يتطلب إصلاحات هيكلية طويلة النفس، لا حلولًا ظرفية أو تسويات مؤقتة. هذه المعطيات لا تُقرأ بوصفها فشلًا نهائيًا، بل كتنبيهٍ صارمٍ إلى أن الاستمرار بالنهج ذاته سيقود إلى النتائج ذاتها.
في 2026، يتعقّد المشهد أكثر بفعل التداخل الإقليمي والدولي. فالتوترات بين أميركا وإيران، واستمرار تداعيات الأزمة السورية، وتحوّل بعض ساحات المنطقة إلى نقاط تماس مفتوحة، تجعل العراق في موقع حساس لا يحتمل المغامرة ولا الاندفاع. دراسات مراكز بحثية دولية تشير إلى أن العراق ظلّ خلال السنوات الماضية ساحة تقاطع مصالح، وأن خروجه من هذا الموقع لا يكون بالاصطفاف، بل ببناء دولة قوية قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية بميزان المصالح الوطنية أولًا.
في الداخل، يتجدد القلق الشعبي كلما عادت شخصيات أو خطابات ارتبطت بمراحل الانقسام والتوتر. هذا القلق ليس موجّهًا إلى أشخاص بقدر ما هو موجّه إلى التجربة ذاتها: تجربة تكرار الأزمات بدل معالجتها، وإعادة تدوير الخلافات بدل تجاوزها. وقد أثبتت السنوات الماضية أن أخطر ما يواجه العراق ليس نقص الموارد ولا ضعف القدرات، بل استمرار منطق الاستقطاب بدل منطق الشراكة.
من هنا تبرز الحاجة إلى تغليب لغة العقل في السياسة والإعلام والمجتمع، لا بوصفها شعارًا أخلاقيًا، بل كخيار عملي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لغة العقل تعني قراءة المعطيات ببرود أعصاب، والتعامل مع الوقائع بمرونة مسؤولة، لا بعناد سياسي ولا بردود فعل انفعالية. وتعني كذلك الإقرار بأن بعض الملفات الشائكة، من الخلافات السنية–السنية، والشيعية–الشيعية، والكردية–الكردية، إلى الإشكاليات بين بغداد وأربيل، لا تُحل بالتصعيد ولا بالخطاب الشعبوي، بل بالحوار المؤسسي، والاعتراف المتبادل، والتنازل المتوازن لمصلحة الدولة.
الإعلام هنا شريك أساسي، لا مراقبًا محايدًا فحسب. تقارير منظمات معنية بحرية الصحافة تشير إلى أن الإعلام حين ينزلق إلى التحريض أو الإثارة يضاعف الأزمات بدل أن يخففها، بينما الإعلام المهني القائم على التحقق والسياق والتحليل الهادئ يمكن أن يكون جسرًا للثقة بدل أن يكون وقودًا للانقسام. في عراق 2026، لم تعد البلاد تحتمل خطاب الهدم، بل تحتاج إلى لغة بناء تُذكّر الناس بأن الخلاف لا يعني العداوة، وأن التنوع لا يعني التفكك.
أما في ملف الأمن، فلا يزال العراق يواجه تحديات حساسة، أبرزها إدارة إرث تنظيم داعش، وملفات السجون والمخيمات، ومخاطر التطرف الكامن. تقارير الأمم المتحدة والتحالف الدولي تؤكد أن المعالجة الأمنية وحدها غير كافية، وأن الحل المستدام يمر عبر مقاربات قانونية وإنسانية وتنموية متكاملة، تحصّن المجتمع بدل أن تكتفي بردع التهديدات مؤقتًا. فالأمن الحقيقي لا يقوم على القمع، بل على العدالة، ولا على الطوارئ الدائمة، بل على استقرار طويل الأمد.
خارجيًا، تؤكد أميركا في تصريحاتها الرسمية على ضرورة قيام عراق متماسك، مستقل القرار، غير تابع لأي محور، وقادر على حماية سيادته ومصالحه. وفي المقابل، ترى تحليلات سياسية أن إيران تنظر إلى العراق بوصفه عمقًا استراتيجيًا في ظل الضغوط المفروضة عليها. وبين هذين الاتجاهين، لا يمتلك العراق رفاهية الانحياز، بل يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة ومرنة، تُحسن قراءة المتغيرات، وتتعامل معها بحذر عقلاني، لا بتحدٍّ غير محسوب ولا بتبعية صامتة.
ولا يمكن فصل عراق 2026 عن الذاكرة الثقيلة لما قبل 2003 وما بعده. فقد عاش العراقيون قسوة الحصار والاستبداد، وما بعده من فوضى واضطراب وأزمات مؤسسية، ولا تزال آثار تلك المراحل حاضرة في الوعي الجمعي. لكن هذه الذاكرة، بدلًا من أن تكون عبئًا دائمًا، يمكن أن تتحول إلى رصيد حكمة إذا أُحسن توظيفها. فالدولة التي لا تتعلم من ماضيها محكوم عليها بتكراره، أما التي تستخلص دروسه فتملك فرصة حقيقية لتغييره.
وعراق 2026 يحتاج إلى بداية أخرى، لا تقوم على تبديل الوجوه فحسب، بل على تغيير المنهج. بداية تُقدّم الحلول بدل الاتهامات، وتعتمد المرونة بدل التصلّب، وتُعيد الاعتبار لمعنى المواطنة بوصفها رابطة جامعة لا هوية متنازعة، ورؤية طويلة الأمد تضع الإنسان العراقي في مركز القرار، وتعيد للدولة معناها ووظيفتها وحدودها.
وعراق 2026 لا يحتاج إلى زعامات أقوى أو شعارات أكثر بريقًا، بل إلى إصلاح منظّم وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المكوّنات المختلفة. فالدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالتحالفات العابرة، بل بإرادة شعب يؤمن بأن مستقبله يُصنع عبر مؤسسات عادلة، وحقوق مكفولة، وسيادة لا تتزعزع.
وهنا ليست الدعوة إلى أن يكون الجميع في قارب العراق نداءً عاطفيًا، بل توصيفًا واقعيًا لوضعٍ لا يحتمل التمزّق. فالقارب المنقسم، مهما بدا صلبًا، يغرق سريعًا في بحر الأزمات، أما القارب الذي يجلس فيه الجميع بروح العقل والحذر والمرونة، فيملك فرصة الوصول إلى برّ الأمان. وعراق 2026، بكل ما يحمله من تحديات وضغوط، ما زال قادرًا على ذلك، إذا اختار أن يقدّم لغة الدولة على لغة الانقسام، والعقل على الغريزة، والمستقبل على الحسابات الضيقة.


