: آخر تحديث

أين سقراط العربي؟

8
9
5
مواضيع ذات صلة

مطلع عام 1986، بدأت حياتي أعزب في ميونيخ، عاصمة مقاطعة بافاريا، الواقعة جنوب ألمانيا، وسكنت شقّة صغيرة في شارع "نوردأندشتراسه" بحيّ "شوابينغ" المشهور بمقاهيه الأدبيّة التي يرتادها الشعراء والفنّانون البوهيميّون، والطالبات الجميلات. ذات يوم استيقظت لأجد شقّتي في حالة من الفوضى المفزعة. ولأنني كنت أنتظر صديقة وعدتني بالزيارة في نهاية الأسبوع، فإنني استنجدت في الحين بسيّدة تربطني بها علاقة وطيدة سعيا لإيجاد حلّ لتلك المشكلة. ففي ذلك الوقت كنت شديد النّفور من كلّ عمل منزليّ، طبخا كان أم ترتيبا، أم تنظيفا. وقد نصحتني تلك السيّدة بالإتصال بماريا اليونانية التي تأتيها أسبوعيا لترتيب شقتها، مؤكدة لي أنها امرأة طيّبة القلب، ساذجة، ولا عيوب لها غير الإفراط في الثرثرة أحيانا. وكان الأمر كذلك...

في الساعة الثالثة ظهرا، جاءت ماريا اليونانية ضاحكة، منبسطة الأسارير كما لو أنها تعرفني منذ زمن بعيد. وبعد أن ألقت نظرة على المطبخ، وعلى غرفة النوم، وقاعة الجلوس التي تتكدّس فيها الكتب، والمجلاّت، والقناني الفارغة، انطفأت ضحكته، وقالت لي بلهجة لم تخلو من صرامة :”أحتاج الى أربع ساعات على الأقل لتنظيف شقتك وترتيبها... لذا لا تعدْ الى هنا قبل الساعة السابعة مساء!” ومنذ ذلك الوقت أصبحت تلك المرأة القصيرة السّمينة، تأتي الى شقّتي كلّ  ظهر خميس. مع مرور الوقت باتت تعاملني كما لو أنني ابنها، ناصحة إيّاي بالزواج في أقرب وقت ممكن، ومن تونسيّة لا من ألمانية لأن الألمانيات في نظرها "باردات وبشعات".

كما نصحتني بالكفّ عن كذا وكذا لأن كلّ ما كنت أقوم به بحسب رأيها مضرّ بالصحّة بل يمكن أن يؤدي بي الى الإفلاس ذات يوم. وبين وقت وآخر كانت تعدّ لي أطباقا يونانية لذيذة لكنها مثقلة بالدهون. أشكرها على ذلك،فينطلق لسانها في مدح نفسها في مجال الطبخ، معبّّرة عن استعدادها للتنافس مع أمهر الطباخين في بلادها. ومع مرور الوقت فتحت لي قلبها، وأخذت تبوح لي بالبعض من أسرار حياتها. وهكذا عرفت أن لها ثلاث بنات متزوجات. كما عرفت أن زوجها أهملها ليتزوج امرأة شابة تصغره بعشرين عاما. وفي الحين أدركت سبب نوبة الغضب التي استبدت بها يوم سمعت بقصة الحب بين باباندريو، الوزير الأول اليوناني آنذاك، وبين فتاة جميلة تصغره بأربعين عاما. وأذكر أنها ظلّت تلعن باباندريو أسابيع عدة، مُتهكمة على تصابيه، مؤكدة لي أنها رأت في منامها السيّدة مريم العذراء وهي تتململ مفجوعة في قبرها بسبب الفعلة الشنيعة التي ارتكبها "العجوز الاشتراكي".

ولمّا علمت ماريا أنني كاتب، ازدادت تقديرا واحتراما لي، وأصبحت تتفنن في ترتيب مكتبي. ومرة عادت من أثينا ومعها تمثال بخس الثمن لسقراط، وقالت لي وهي في غاية الابتهاج والسعادة بإنها تهديني إيّاه آملة أن أصبح مشهورا أنا أيضا ذات يوم فيبيع الناس تماثيلي الصغيرة على قارعة الطريق مثلما فعل ويفعل أهل أثينا مع فيلسوفهم العظيم الذي مات مسموما.

وبعد أن أحيلت على التقاعد، عادت ماريا نهائيا الى أثينا، لكنها ظلت تسأل دائما وأبدا عنّي وعن أحوالي عن طريق السيّدة الألمانية التي عرفتني بها. بل أنها زارتني ذات مرة، لتبارك زواجي من فتاة ألمانية. وعندما عدت الى تونس بعد عشرين عاما أمضيتها في ميونيخ، حرصت على أن أحمل معي تمثال سقراط احتراما لذكرى ماريا الطيّبة القلب. أحيانا تكفيني نظرة واحدة ألقيها عليه لكي أستحضر بعض الومضات من حياتي في ميونيخ. وقد يسرح بي الخيال لأرى سقراط وهو يرقص تحت سماء أثينا الزرقاء، متحدّيا أولئك الذين سيحاكمونه في ما بعد بتهمة "إفساد عقول الشبيبة" في بلاد اليونان...

نعم كان سقراط العظيم يحسن الرقص. بل كان يرقص طوال الوقت لإدراكه أنه ليس فكرا عملاقا فحسب، بل هو جسد أيضا. وقد كتب أحد تلامذته يقول :”كان (يقصد سقراط) يرقص رقصا متواصلا ذلك أنه يعتقد أن هذا التمرين يساعده على الحفاظ على صحته، وعلى لياقته البدنيّة".

وكان سقراط قويّ البنية، يسير حافيا في البرد كما في الحرّ، ورغم عشقه للنبيذ، فإنه لم يكن يفقد الصواب أبدا. وحتى عندما يمتدّ به السهر الى ساعة متأخرة من الليل، وتلعب الخمرة برؤوس مريديه وطلبته، فإنه يظلّ محافظا على توازنه الذهني والفكري.

وكان والد سقراط حرفيّا. لذلك أحب الأعمال اليدوية، وحرض على القيام بها قائلا :”اليد التي تسمح لنا بالقيام بأغلب الأشياء هي التي تجعلنا أكثر سعادة من الحيوانات".

وقد أفكر وأنا أتأمل التمثال الصغير البخس الثمن في زمننا العربي الحالك السواد، والذي ازداد حلكة بعد ربيع كاذب كان شبيها بسحابة صيف... زمن تكاثر فيه الذين يعتقدون أنهم صانعو الحقيقة، ومكتسبوها بالوراثة. لذا هم لا يتردّدون في تكفير كلّ من يخالفونهم في الفكرة والرأي،بل يحرصون على قتلهم ونبذهم، وتشريدهم في الأرض. وها أنهم يبيحون لأنفسهم ارتكاب الجرائم الأشد فظاعة مدّعين أنهم وحدهم المؤهّلون لترشيد الناس، وهديهم الى "السراط المستقيم".

ويبدو لي أننا بحاجة الى سقراط عربي يتقن توليد الأفكار على طريقة سقراط الأثيني، ويعرف كيف يجادل، ويقنع، وينير العقول الضاّلّة،ويطرح الأسئلة أكثر مما يقدم أجوبة. وأمنيتي أن أرى سقراط العربي يمشي في الشارع ضاحكا،لاعبا،ساخرا من المنافقين،ومن الدجّالين، مسائلا الناس،مدمّرا الثوابت والأفكار الجامدة في العقول منذ آلاف السنين، مُساعدا هؤلاء أو أولئك على التخلص من كسلهم وخنوعهم فيصبحون قادرين على طرح الأسئلة،وعلى رفض الأجوبة الجاهزة.
ومثل سقراط الأثيني، أريد من سقراط العربي أن يدفع بالمستمع اليه، والمتجادل معه الى الدخول في تناقض مع نفسه. وأمنيتي أن يحاكم سقراط العربي ويواجه أعداء فكره بشجاعة،وبرباطة جأش، رافضا شفقتهم ورحمتهم. بعدها يذهب الى حتفه هادئا، واثقا من نفسه بعد أن ينطق بوصيته الوحيدة، ويخاطب مريديه قائلا :”كان من المتوجّب علينا تقديم ديك لأسكليبيوس، لذا عليكم ان تقوموا بهذا ألأمر ولا تنسوا ذلك!”..

شكرا لك يا ماريا العزيزة لأنك جعلتني أحلم بظهور سقراط عربي في هذا الزمن العربي المقفر من الحكمة ومن الشجاعة ومن الحب في معانيه الإنسانية النبيلة!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي