: آخر تحديث

مشروعان يتنازعان الشرق الأوسط

3
2
2

قام النظام الإيراني بزرع أذرعه في أكثر من دولة عربية إلى حد تغييب الدولة، وكان الهدف السيطرة على المنطقة، وقام الحوثي بالاعتداء على الجيران والاقتصاد العالمي للمساعدة، فمَن المعتدي ومَن المعتدى عليه؟

في الصراع القائم، مَن يشعل النار يريد أيضاً أن ينفرد باحتكار الحقيقة. يختار البداية التي تناسبه، ثم يطالب المتلقي بإدانة الطرف الذي تلقَّى الضربة. وإذا اعترض أحد على هذه الرواية، انتقل هذا المعترض سريعاً من موقع «المخالف» إلى خانة «المتآمر». كان الشعار «الموت لأميركا والموت لإسرائيل»، فاكتشف العالم، تعهداً حوثياً بعدم التعرض للسفن الإسرائيلية ولا الأميركية!

هذا مشهد خبرناه من قبل. في الخمسينات والستينات، خلال ما عرفت بـ«الحرب العربية الباردة». كانت الإذاعات تمنح صكوك الوطنية، وتوزع العرب بين «تقدمي» و«رجعي». وقد آن لنا أن نسأل أصحاب ذلك الفكر، ماذا فعلتم بحياة الناس؟

أرى أن وراء هذا التشابه مدرستين في النظر إلى الدولة الحديثة وعلاقتها بالمحيط. الأولى انقلابية، تتصور أن لها رسالة ربانية تمنحها حق إعادة تشكيل الجوار بالقوة.

والثانية تنموية، تعتبر أن نجاح الدولة يبدأ بتحسين حياة الناس، والتعامل مع العالم. ذاك ما يساعدنا على فهم سوية الصراع القائم، أغلب مناصري الكهنوتية هم من جناح الإسلام الحركي الانقلابي، من أي مكان كانوا فيه.

التيار الانقلابي يستدعي من التراث ما يخدم سلطته، ويقدم تفسيره للدين كأنه الدين نفسه، وقدسية الزعيم لأنه يتكلم باسم الرب! ويتحصن بمهمة مقدسة.

من هذه النقطة يسهل الانتقال إلى ادعاء الوصاية على الآخرين، ومد النفوذ خارج الحدود. وتصبح سيادة الجار عقبة، ويصير رفض التدخل في شؤون الآخرين دليلاً على عدائه للقضية المقدسة.

أما المدرسة التنموية، فتنطلق من أسئلة أقرب إلى حياة الناس، كيف يتعلم أبناؤنا؟ أين يعملون؟ وكيف يعالجون؟ دولة يسمح فضاؤها بالتخطيط، وقانونها يطمئن المواطن، وتقوم بالاشتباك الصحي مع العالم.

لهذا تتعارض السرديتان. صاحب المشروع الانقلابي التوسعي يحتاج إلى إبقاء الجمهور في حالة جهل وتمسك بالخرافة، لأن وعي الجمهور يفتح باب الأسئلة المؤجلة، مثل لماذا تتراجع معيشة الناس؟

في المقابل، يحتاج المشروع التنموي إلى سلام، وإلى علاقات لا تنقلب كل صباح.

ما يراه الأول فرصة لتوسيع المواجهة، قد يراه الثاني تبديداً لموارد كان يمكن أن تذهب إلى جامعة أو مستشفى. لقد صرفت إيران على أذرعها ما لو تم صرفه في إيران لأصبحت كوريا الجنوبية الثانية، كما قالت فائزة رفسنجاني، ولمَّح إليه جواد ظريف!

والمفارقة أن أنصار الخطاب الانقلابي يبدون، أحياناً، أكثر نشاطاً من المدافعين عن الاستقرار. لديهم اتهام جاهز، وعدو واضح، وإجابة واحدة، تفسر كل شيء.

أما الآخرون فيميلون إلى الاعتقاد بأن الإنجاز يتحدث عن نفسه. ذلك الموقف يجب أن يتغير، تحتاج دعوة السلم والتنمية إلى مَن يشرح خياراتها ويبسط حجتها. ولا يترك المجال العام لمَن يرفع صوته ويحول الحرص على حياة الناس إلى تهمة. ولا تكفي مواجهة السردية الانقلابية بإعلان الرضا عن النفس. فالدفاع المقنع عن التنمية والاستقرار يحتاج إلى صوت من دون أي اعتذار.

خلل المشروع الانقلابي أعمق من سوء لغته الإعلامية. إنه يريد إخضاع مجتمعات متنوعة لتفسير غيبي، في عالم يقوم تقدمه على العلم. لذلك يضيق بالمواطن الذي يسأل، أو يحتج، وبالمواطن الذي يقارن معيشته بمعيشة جاره. وعندما تعجز الحجة عن إقناعه بالمشروع الغيبي الانقلابي تحضر تهمة الخيانة وحتى التعرض للقتل. العنف هو ما يجيده، والعنف هنا يحمي احتكار السلطة للحقيقة، ويمنع الناس من اختبار الوعود المقدمة على ضوء ما يعانونه كل يوم من عوز واضطهاد. ولا ينبغي أن نخلط بين امتلاك أدوات حديثة وامتلاك مشروع حديث. استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، لا يغير طبيعة سلطة تعتبر المواطن الصالح هو الصامت. الحداثة لا تظهر في السلاح، تظهر في موقع الإنسان في مجتمعه، لا في حداثة السلاح الذي يفرض عليه الطاعة.

من هنا تحتاج معركة السردية الانقلابية إلى رأي مضاد يعرض الوقائع، ويسأل: مَن اتخذ قرار الحرب في إيران وفي اليمن؟ من يتحمل تكلفتها؟ وهل يملك المواطن في البلدين حق الاعتراض عليها؟ لا يجوز أن تغطي الشعارات هذه الأسئلة، أو أن يتحول المعتدي إلى ضحية.

آخر الكلام: أقوى رد على دعاة الانقلابية هو كشف المسافة بين مشروعين، إشعال الحروب، وبناء الأوطان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد