: آخر تحديث

وطنٌ يروي نفسه.!

4
4
4

في الوقوف باليوم الوطني مآثرُ تتجاوز الاحتفاء إلى الاستعادة، إذ نستعيد من خلاله تاريخا يحمل رحلةً شاقة أخذت صحراء مترامية، قليلة الموارد، متباعدة الجهات، إلى دولة حديثة ذات حضور عالمي.. وتاريخ كهذا لا يكفي أن نحفظه ونحتفل به بقد ما نحتاج أن نستضيء بمعانيه، وأن نعيد قراءته بوصفه تجربة إنسانية كبرى في الحلم والإرادة والبناء.. ومن هنا أجدني أكرر ندائي لأهل السينما والدراما في بلادنا.. هذا تاريخكم، وهذه فرصتكم لاستعادته بالفن لا بوصفه سجلًا للأحداث فقط، وإنما بوصفه عالمًا حيًّا من البشر والأحلام والانكسارات والانتصارات.. فالتاريخ الذي يبقى حبيس الكتب لا يصل إلا لمن يبحث عنه فيها، أما حين يتحول إلى صورة وحكاية وشخصيات تمشي أمامنا، فإنه يغادر الماضي ليصبح جزءًا من الذاكرة الحية للأجيال.. لقد أدركت شعوب كثيرة قوة الصورة في صناعة ذاكرتها، حتى إن بعض الأعمال الدرامية استطاعت أن تعيد تقديم التاريخ وفق رؤى صانعيها، وأن تمنح الغزاة والمستعمرين صورًا أخرى غير تلك التي تحفظها الوقائع.. وليس المقصود أن نفعل ذلك بالطبع لكن المقصود، أن نمتلك نحن حكايتنا الحقيقية، وأن نقدمها بجمال الفن وصدق التاريخ.. فتاريخ الدولة السعودية الممتد ثلاثة قرون مملوء بحكايات الرجال والنساء، وبطولات الفرسان، وحكمة القيادة، وقصص المدن والقرى والقبائل التي خرجت من شتاتها إلى معنى الدولة.. وفي ثناياه مادة إنسانية هائلة تنتظر الروائي وكاتب السيناريو والمخرج الذي يستطيع أن يرى خلف الحادثة قلب الإنسان الذي صنعها.

ولست ممن يزهدون في إبداعنا أو يجعلون جلد الذات فضيلة ثقافية.. أؤمن بأن لدينا هوية إبداعية تتشكل بثقة، وأدوات قادرة على صناعة قوة ناعمة حقيقية، تستطيع أن تروي للعالم كيف نبتت في قلب الصحراء شجرةُ دولة، ثم أورقت أمنًا وعلمًا ومدنًا وتنمية؛ حتى غدت الرمال التي بدت يومًا نهايةً للجغرافيا بدايةً لحكاية كبرى.. إن المملكة التي يراها العالم اليوم هي آخر صفحة حتى الآن في كتاب بدأ منذ ثلاثة قرون.. حلمٌ كلما أوشك أن يسقط من شجرة الزمن، التقطه جيل، وحمله إلى الجيل الذي يليه، حتى وصل إلينا اليوم في صورة رؤية جديدة وحلم يتجدد ولا يبدأ من الصفر.. ولهذا أقول لأصدقائي الروائيين وكتّاب المرئي.. هذه لحظتكم.. ادخلوا التاريخ من أبوابه الإنسانية، وابحثوا عن الإنسان خلف المعركة، والأم خلف الفارس، والقرية خلف المدينة، والحلم خلف الدولة.. أعيدوا إلى الوجوه أسماءها، وإلى الأماكن أصواتها، وإلى التضحيات معناها، فالأوطان لا تعيش بما صنعته فقط، تعيش أكثر بما تتذكره مما صنعت، والتاريخ، في آخر الأمر، يبقى في ذمّة رواته.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد