: آخر تحديث

الجمعية العامة ودستور ذكي للبشرية

3
3
2

نهار الاثنين الماضي، احتشد المئات من الدبلوماسيين والتنفيذيين ورجال الأعمال والخبراء التقنيين والأكاديميين في نيويورك، وذلك لمواجهة تساؤلات حول كيفية ضمان عدم فناء البشرية يوماً ما على يد الآلات المتمردة.

هذه هي المرة الثانية لما يُعرف بـ«يوم التعاون الرقمي»، غير أن الرهانات هذه المرة أصبحت أعلى بكثير مما كانت عليه عندما اجتمعوا قبل عام.

تالياً، ويوم الثلاثاء الماضي، جرى لقاءٌ مهمٌ للغاية بين وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ، إذ تم الاتفاق على تأسيس «خط ذكاء صناعي أحمر»، للتبليغ عن أي حوادث تتسبب فيها الذكاءات الاصطناعية، وتهدد الأمن القومي العالمي.

بالوصول إلى الخميس، كان البيت الأبيض يشهد عشاءً تشارك فيه الجماعة الأوليغارشية التقنية، أميركية وصينية، بهدف ما ورائي، وهو قسمة الغرماء حول كعكة الذكاءات الاصطناعية العالمية، ووضع خطوط، ونسج خيوط وقواعد الاشتباك.

ما السبب في هذا الذعر الذي يجري حول العالم بسبب نوازل الذكاء الاصطناعي؟

بدأ الأمر في حقيقته بعد قيام جاكوب كوكسون، الباحث السابق في شركة «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، بدق ناقوس الخطر على موقع «إكس»، إذ كتب أن شركات الذكاء تتسابق نحو الوصول إلى الذكاء الخارق «ASI»، ذاتي التطوير وتقامر بحياة البشر.

لاحقاً، وفي تطور صادم أكثر، أكد إيفان هوبينجز، من شركة «أنثروبيك»، بدوره، المخاوف المتزايدة عندما كتب: «نحن نؤمن حقاً بأن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على جميع البشر».

هل هذه التحذيرات حقيقية أم أنها ستار لتغطية ما هو أشد خطراً وأكثر هلعاً للإنسانية برمتها؟

تشكك البروفسورة كورتني راولينغز، كبيرة الاستراتيجيين الرقميين في «معهد كوينسي»، في التصريحات السابقة، وترى أنه في الوقت الذي يتوقع فيه رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي أن تقنيتهم ستؤدي إلى فناء البشرية، فإنهم يعملون بشكل وثيق مع البنتاغون لبناء أسلحة فتاكة، وتوسيع نطاق المراقبة، ومطالبة المشرعين بإزالة الضوابط، مثل قوانين مكافحة الاحتكار، التي من شأنها الحد من نفوذ شركاتهم.

تبدو آراء راولينغز مثيرة، بخاصة في التعامل مع حقل ألغام لغوي من شأنه أن يوقع الشاعر نفسه في الفخ، حين يدعي رؤساء تنفيذيون مثل سام ألتمان وإيلون ماسك وداريو آمودي أن الطريقة الوحيدة لمنع كارثة الذكاء الاصطناعي هي تحرير شركات الذكاء من سيادة القانون، حتى تتمكن من استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب مع الصين.

ما هي مساحة الحقيقة وسط الكثير من التصريحات المتضاربة؟

لم يعد سراً أن المطورين أنفسهم باتوا يلاحظون نتائج لا يعرفون كيف توصلت إليها الآلات الذكية، التي تمرد بعضها مؤخراً على صانعيها، وخرجت عن المسارات المرسومة لها.

تتصاعد مشاعر ومشاهد الخوف، عندما ندرك أنه بالوصول إلى عمق الذكاءات الفائقة، ستجد الإنسانية ذاتها أمام قوى غير منظورة، تكاد تشبه الأشباح، ولها القدرة على تحليل النفس الإنسانية، بل وقراءة أفكارها، وبناء مخططات مستقبلية، تأخذ في اعتبارها نقاط القوة والضعف لدى القادة وصانعي القرارات.

تبدو القصة خطيرةً بالفعل، وذات علاقة جوهرية بعشاء الخميس الماضي في البيت الأبيض، والسر هو أن ذكاءً اصطناعياً فائقاً يمكنه أن يزود وكالات الاستخبارات الأميركية بنتائج تحليلات لبيانات وهمية وإن ظهرت للعيان على أنها حقيقية بالمطلق، ما يُوهم المتلقين من الجانب الأميركي بأن الصين في طريقها لعمل عدائي كبير، عسكري أو اقتصادي، وفي الوقت ذاته يسرب للصينيين بيانات تشي بأن القارعة الأميركية على الأبواب.

هذا الهاجس حدث بالفعل، عشية موقعة الكونغرس في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، غير أن اتصالاً من رئيس الأركان الأميركي الجنرال مارك ميلي بنظيره الصيني الجنرال لي زوتشينغ ربما أنقذ البلدين والعالم من مغبة حرب نووية.

مؤخراً بان جلياً لعمالقة شركات وادي السيليكون أن هناك خطراً حقيقياً داهماً، وذلك حين قاموا بتحديثات الأمان لقياس منسوب الخروج على ما هو آمن ومتفق عليه.

لكن الكارثة هي أن هؤلاء ارتكبوا خطأ فادحاً، لأنهم استخدموا البرامج ذاتها في كتابة ومراجعة أكواد عملية المراجعة، ما فتح الطريق واسعاً للآلات لأن تقوم بخداع البشر.

بالنظر إلى الإحاطة التي قدمها سام ألتمان، عشية الأربعاء الماضي في أعمال الجمعية العامة، تبدى للقاصي والداني أن الأمر ينتقل من كونه ملفاً اقتصادياً إلى أمر واقع مرتبط بالأمن والسلام والحرب والاستقرار الدولي.

ما جرى في نيويورك يمكن اعتباره بداية لمعركة على بلورة «دستور العصر الذكي»، إذ لم يعد السؤال كيف نستخدم الذكاءات، على أهميتها وإيجابيتها، بل من يضع القواعد ويملك المفاتيح ويضمن ألّا تتحول القوة الحسابية إلى قوة جيوسياسية بدون رقابة تقضي بالفعل على البشر؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد