السفر بالنسبة لي تجارب غرام قصيرة، في كل رحلة، أقع في الغرام، تنتهي التجربة إما بالحسرة على ترك المكان والشوق للرجوع له، وإما بالهجران وعدم الرغبة في تكرار التجربة، وفي الغالب يسود الشعور الأول.
زرت البندقية قبل 26 سنة في رحلة خاطفة استغرقت يوما واحدا لم نتجول سوى في ساحة سان ماركو وقتها، وخرجت من الرحلة بقناعين مازلت أحتفظ بهما وأنقلهما معي من بيت إلى بيت. مازلت أتذكر ذلك اليوم حتى اليوم.
واليوم عدت إلى فينيسيا، وأعرف أنها تجربة غرام ستظل معي حتى النهاية، الرفقة أيضا تساعد على هذا، وأنا برفقة ابنة خالتي دكتورة المعمار بجامعة الملك عبدالعزيز والمستشارة في اليونسكو وجهات أخرى نورا غبرة، أكتشف من خلال عينيها العاشقة لتفاصيل فينيسيا أسرار جمالها.
عاشت نورا في البندقية ستة أشهر، جعلتها تهيم حبا ليس فقط بها بل بكل الجمال الإيطالي. أتذكر أنني همت أيضا بإيطاليا حين زرتها أول مرة وكنت أردد دائما أن جمال إيطاليا مذهل حيث كل مدينة لها جمال خاص مختلف عن المدينة الأخرى، لا تشابه سوى في التنافس في الجمال.
حين تمشي في شوارع البندقية تضطر أحيانا أن تغمض عينيك حيث كثرة الجمال تطغى على أحاسيسك وتخشى على قلبك من الذوبان.
كان اسمها بونودتشيا وتعني الدوقية الجميلة، الدوقية بمعنى الإمارة لكن يحكمها دوق. وعرّب العرب الاسم إلى البندقية.
وربما لا يذكر الغربيون تأثير العمارة الشرقية والإسلامية على العمارة في فينيسيا، لكنك تشعر به، وتراه حتى لو تجاهلوه، تشهد بذلك الأقواس والفسيفساء والنقوش التي تنتشر في مبانيها وكنائسها، وذلك غير مستغرب لأن فينيسيا كانت ملتقى التجار وجسرا مهما بين الشرق والغرب.
أكثر المدن التي تبعث الحنين إلى الرومانسية في العالم، مزار العشاق، هي فينيسيا، قنواتها التي تصل بينها الجسور الجميلة، والجندول الذي يتمخطر في تلك القنوات، والأزقة الصغيرة المنتشرة والتي تصل بين جسر وآخر وبين ساحة وأخرى، وساحاتها التي تحيط بها البوتيكات المليئة بالفنون الساحرة، والزجاج الموراني الذي يعرض في فاترينات المحلات أو تراه في النجفة في سقف غرفتك أو كأس الماء في المطعم، كل تلك التفاصيل الصغيرة تحولك إلى رومانسي حتى لو كنت تكفر بالرومانسية.
ثم المعارض الفنية، ونحن على مشارف افتتاح البينالي، بينالي البندقية، أشهر بينالي في العالم، هناك أكثر من معرض يمكنك الاستمتاع بمشاهدته لو لم يسعفك الوقت لحضور البينالي. وقد كان، حضرت معرضا سأحدثكم عنه المرة القادمة.
سأذهب الآن لأغرق من جديد في غرامي الجديد، البندقية.

