يُعدّ الدكتور محمد بن عبدالرحمن بن محمد المفدى واحدًا من أبرز أعلام اللغة العربية في المملكة، وقد ترك بصمة واضحة في ميادين التعليم والبحث والتحقيق، الأمر الذي دفع سفارة الوشم التابعة لجمعية الأدب المهنية إلى الاحتفاء به الجمعة المقبلة في مسقط رأسه أشيقر، تقديرًا لمسيرته العلمية وإسهاماته الراسخة في خدمة اللغة العربية وتراثها.
جمع د. المفدى بين تكوين علمي متين وخبرة أكاديمية ممتدة وقدرة على العطاء المتواصل، فكانت سيرته العلمية رحلة ثرية تمتد من حلقات العلم التقليدية في نجد إلى قاعات الجامعات، ومن تحقيق النصوص التراثية إلى الإشراف على أجيال من الباحثين، في مسار يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وُلد في أشيقر بالوشم عام 1350هـ، ونشأ في بيئة علمية محافظة، وأصيب في طفولته بالجدري مما أثّر على بصره، لكنه تجاوز ذلك بإصرار، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة على يد الشيخ عبدالعزيز الحنطي، ثم حفظ عددًا من المتون الأساسية مثل زاد المستقنع وبلوغ المرام وكتاب التوحيد وكشف الشبهات. وفي المرحلة الثانوية بالطائف أقبل على حفظ الدواوين الشعرية، فحفظ شعر المتنبي وشوقي وحافظ والرصافي وغيرهم.
درس في دار التوحيد بالطائف عامي 1372 و1373هـ، ثم التحق بالمعهد العلمي بالرياض، حيث تلقى علوم العربية والشريعة على يد كبار العلماء، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وأخوه عبد اللطيف، وأسهم هذا التكوين المبكر في بناء قاعدة معرفية صلبة مهدت لمسيرته اللاحقة.
تخرج في كلية اللغة العربية بالرياض عام 1377هـ متصدرًا دفعته، ثم عُيّن مدرسًا بمعهد الرياض العلمي، قبل انتقاله إلى كلية اللغة العربية عام 1382هـ مدرسًا للنحو والتصريف. وخلال عمله الأكاديمي تعلّم القراءة والكتابة بطريقة برايل، وكان أحد ثلاثة من أوائل المكفوفين أتقنوا هذه الطريقة في المملكة، ثم أسهم في تعليمها لغيره من المكفوفين، كما أتقن النسخ على الآلة الكاتبة بالعربية والإنجليزية، وقرأ كثيرًا من كتب الأدب.
وفي عام 1386هـ سافر إلى القاهرة ليلتحق بجامعة الأزهر، فحصل على الماجستير عام 1388هـ، ثم الدكتوراة عام 1396هـ، ليكون أول سعودي وعربي يحصل على الدكتوراة في الدراسات النحوية من الأزهر.
شغل المفدى مناصب علمية وإدارية بارزة، منها رئاسة قسم النحو والصرف وفقه اللغة لمدة أربعة عشر عامًا، إضافة لعضويته بمجلس الكلية والمجلس العلمي بجامعة الإمام، ومجلس معهد القضاء العالي، ولجنة الترشيح لجائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي لمدة أربعة عشر عامًا. كما عمل مستشارًا لغويًا لوزارة التخطيط، وشارك في لجان علمية وثقافية متعددة.
قدّم إنتاجًا علميًا غزيرًا شمل التأليف والتحقيق والبحث، وكتب في موضوعات نحوية دقيقة، مثل: "من: أقسامها وأحكامها"، و"حديث ما"، وشارك في الإشراف ومناقشة عشرات الرسائل الجامعية. وحقق النصف الأول من كتاب "تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد" في ثمانية أجزاء، كما قام برحلات علمية إلى دول متعددة، مما أتاح له الاطلاع على تجارب تعليم العربية عالميًا.
توفي -رحمه الله- في الرياض يوم الأحد 12 جمادى الأولى 1445هـ (26 نوفمبر 2023م)، بعد مسيرة علمية حافلة تركت أثرًا بارزًا في الدراسات اللغوية وفي ذاكرة جامعة الإمام والمشهد الثقافي السعودي.

