: آخر تحديث

مرونة اقتصادنا في مواجهة الاضطرابات الإقليمية

4
5
5

رغم حالة عدم اليقين الاقتصادي وتصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وما نتج عنها خلال الأسابيع الماضية من اضطراب في حركة التجارة والملاحة الإقليمية، إلى جانب اختلالات في سلاسل الإمداد، إلا أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرًا ملحوظًا من الصمود في مواجهة هذه التحديات، معززًا قدرته على التعامل مع الصدمات الاقتصادية العالمية والحفاظ على استقراره النسبي.

وقد تعززت هذه القدرة على الصمود، رغم تعرض عدد من المنشآت النفطية الحيوية لهجمات متكررة باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الإيرانية، إلا أن الاستراتيجية التي انتهجتها الحكومة في التعامل مع هذه التطورات الطارئة أسهمت إلى حد كبير في الحد من تداعياتها على الاقتصاد الوطني، سيما في ظل التأثيرات التي طالت إنتاج وتصدير النفط مقارنة بالمستويات المعتادة قبل تصاعد التوترات في المنطقة.

وفي هذا السياق، كَشفت التقديرات السريعة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء عن تحقيق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة نموًا بنسبة 2.8 % خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، مدعومًا بأداء إيجابي عبر مختلف الأنشطة الاقتصادية، حيث قد سجلت الأنشطة غير النفطية نموًا بنسبة 2.8 %، وارتفعت الأنشطة النفطية بنسبة 2.3 %، فيما نمت الأنشطة الحكومية بنسبة 1.5 % على أساس سنوي.

وفي ضوء هذا الأداء المتماسك للاقتصاد السعودي وقدرته على مواجهة التحديات الخارجية، تشير التوقعات الدولية إلى استمرار هذا الزخم الإيجابي خلال الفترة المقبلة، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد السعودي نموًا بنسبة 3.1 % في عام 2026، على أن يتسارع إلى نحو 4.5 % في عام 2027، في انعكاس لاستمرار النمو الإيجابي للاقتصاد مدفوعًا بتوسع مساهمة الأنشطة غير النفطية في دعم الناتج الاقتصادي وتعزيز وتيرة التنويع.

وفي المقابل، يتبنى البنك الدولي نظرة أكثر تفاؤلاً، متوقعًا نمو الاقتصاد بنسبة 4.3 % في عام 2026 و4.4 % في عام 2027، مدفوعًا بزيادة الاستثمارات وتحسن بيئة الأعمال.

أما على الصعيد المحلي، فتشير تقديرات وزارة المالية السعودية، وفقًا للميزانية العامة للعام المالي 2026، إلى تسجيل الاقتصاد نموًا بنحو 4.6 % في عام 2026، قبل أن يستقر عند مستويات تقارب 3.7 % في عام 2027، بما يعكس استمرار التوازن بين تسارع الأنشطة غير النفطية والتطورات في القطاع النفطي.

ولا شك أن مساهمة الأنشطة غير النفطية في نمو الناتج المحلي الإجمالي تُعد من أبرز محركات النمو الاقتصادي خلال الربع الأول من العام الجاري، ومن بينها -على سبيل المثال لا الحصر- نشاط السياحة، الذي يواصل تسجيل أداء إيجابي قوي، حيث قد كشفت البيانات الأولية الصادرة عن وزارة السياحة أن إجمالي عدد السياح المحليين والوافدين إلى المملكة بلغ نحو 37.2 مليون سائح خلال الربع الأول من عام 2026، فيما قُدّر إجمالي الإنفاق السياحي بنحو 82.7 مليار ريال سعودي خلال الفترة ذاتها. ويأتي هذا الأداء الإيجابي في ظل تقلبات المشهد الإقليمي، بما يعكس تنوّع محرّكات الطلب السياحي وقدرة النشاط على التكيّف مع الأزمات، إلى جانب استمراره في دعم استقرار الأسواق وتعزيز تدفقات السياح إلى المملكة.

وفي المقابل، وعلى صعيد القطاع النفطي، فقد لعبت البنية التحتية دورًا محوريًا في تعزيز مرونة الصادرات، حيث قد أسهم خط أنابيب «شرق - غرب» الذي يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، في دعم تدفقات النفط عبر ميناء ينبع بطاقة استيعابية تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا، ما عزز من قدرة المملكة على الحفاظ على استقرار صادراتها رغم التحديات الإقليمية.

وفي المحصلة النهائية، يعكس أداء الاقتصاد الوطني خلال الربع الأول من العام الجاري متانة هيكلية واضحة وقدرة عالية على التكيف مع التحديات الإقليمية والدولية، حيث فقد أسهمت الإصلاحات الاقتصادية الهيكيلة التي انتهجتها الحكومة السعودية منذ إطلاق رؤية 2030 في تعزيز قدرة الاقتصاد ليس فقط على مواجهة الصدمات والتقلبات العالمية، كما أسهمت في دعم تماسك الوضع المالي للدولة من خلال بناء الاحتياطيات، إلى جانب الزخم المتواصل في الأنشطة غير النفطية، وفي مقدمتها النشاط السياحي وغيرها من الأنشطة غير النفطية، التي هي الأخرى قد ساهمت بدورها في دعم النمو وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في المملكة.

ويأتي استمرار نمو الطلب المحلي وتنوع مصادر الدخل، بالتوازي مع كفاءة إدارة الأزمات وترشيد الإنفاق، قد عزز من قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص الصدمات والحفاظ على مسار النمو.

وفي ظل التوقعات الإيجابية الصادرة عن المؤسسات الدولية والمحلية، يبدو أن الاقتصاد السعودي ماضٍ في ترسيخ أسس نمو مستدام، مدعومًا بإصلاحات هيكلية متواصلة ورؤية طموحة تستهدف تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز تنافسيتها على المدى الطويل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد