: آخر تحديث

الوقت يرادف الدهر... هنا طهران

2
2
2

تشعر بأن حكومة المرشد الإيرانية أصابتها عدوى الولايات المتحدة في التعامل مع مشكلات العالم من حولها!

فالولايات المتحدة اخترعت أسلوباً في التفاعل مع أي قضية في العالم، وهو أسلوب دأبت الإدارات المتتابعة في واشنطن على الأخذ به. ولماذا لا تأخذ به وهي تجد فيه ما يريحها؟ والأهم أنه يفيد الأميركيين ولا يكاد يفيد أصحاب القضية في أي شيء.

الأسلوب الأميركي المعتمَد هو إدارة أي مشكلة، أو أزمة، أو قضية، بديلاً عن حلها، والمعنى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب مثلاً إذا قررت التصدي للأزمة في ليبيا، فإنها تظل ترسل المبعوث من وراء المبعوث إلى طرابلس في الغرب مرة، وإلى بنغازي في الشرق مرة، ويظل المبعوثون المتوالون يقترحون حلولاً يعرفون هُم أنفسهم أنها لن تصادف قبولاً لدى الأطراف الليبية المتنازعة، ويكون هذا مقصوداً في كل مرة.

ولا تكون النتيجة إلا بقاء الأزمة كما هي، بل إنها تتعقد بمرور الوقت وبحكم طبائع الأشياء، ولكنها تبقى قائمة بغير حل، ولا يطرأ عليها أي جديد سوى أن هذا المبعوث الأميركي يروح، ومن بعده مبعوث آخر يجيء، وبخلاف ذلك لا جديد ولا شيء يطرأ على الأرض.

خُذ الأزمة الليبية المستعصية مثالاً، وحاول أن تعود بها إلى بدايتها، ثم إلى اللحظة التي قرر الأميركيون فيها أن يتدخلوا لحلها، وسوف ترى أن الأسلوب ثابت لا يتغير فيها وفي غيرها: إدارة الأزمة بإطالة أمدها لا حلها!

شيء من هذا بدأته حكومة المرشد مجتبى خامنئي المختفي في إيران، فمنذ أن توقفت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في الثامن من أبريل (نيسان) الماضي، والوفود الأميركية والإيرانية تروح وتجيء إلى باكستان التي تستضيف مفاوضات الجانبين، حتى ولو كانت قد تجمدت مؤقتاً.

في كل مرة يرجع الطرفان من العاصمة إسلام آباد من دون الوصول إلى شيء، أو يحضر طرف ويغيب الآخر، ولكن الظاهر أمامنا أن الطرف الإيراني يقدم اقتراحات للحل يعرف هو نفسه مسبقاً أن الطرف الأميركي سوف يرفضها، فإذا رفضها عاد الإيرانيون يقدمون للباكستانيين اقتراحات أخرى، ولا تختلف هذه الاقتراحات الثانية في شيء عن الاقتراحات الأولى... وهكذا وهكذا... والقصد هو إدارة الأزمة واستغراق الوقت، ثم الرهان على ملل الطرف الأميركي، أو على مجيء أزمة أخرى أكبر تشغله عن التركيز مع الإيرانيين. هذا أسلوب اشتهر به البازار أو التجار في إيران، وهو كما نرى لا يكاد يختلف عن الأسلوب الأميركي المعتمد إياه!

ولا يختلف أيضاً عن الفكرة في أسطورة السيدة دنلوب اليونانية الشهيرة، فلقد كانت دنلوب ترفض كل عريس يدق بابها، وكانت تقول إنها سوف تقبل مَنْ تراه مناسباً منهم عندما تنتهي من ثوب في يدها تنسجه، ولكنها كانت تفك ليلاً ما تنتهي منه في النهار.

كانت دنلوب تستهلك الوقت في الأسطورة، وكانت تواصل دعوة الذين يدقّون بابها إلى أن ينتظروا، وكانت تستمهلهم ولا تملّ ولا تيأس، وكان الهدف كله أن تُطيل الوقت، وأن تجعل منه مادةً للتداول والتعامل. ومن قَبيل ذلك في الحالة الإيرانية أن تقترح حكومة المرشد أن يكون التفاوض على ثلاث مراحل: واحدة تكون بإنهاء الحرب، والثانية تكون بالوصول إلى اتفاق نووي، والثالثة بالانخراط في محادثات أمنية إقليمية.

هذه مراحل ثلاث تحتاج إلى دهر لا إلى وقت، ويكفي أن نعرف مثلاً أن المرحلة الثانية بدأت من أيام الرئيس الأميركي باراك أوباما، ثم مضت بين شد وجذب، وكانت كلما قطعت خطوة إلى الأمام عادت تقطع خطوات إلى الوراء، ليكون الحساب الإجمالي بالسالب لا بالموجب، ثم يكون بالخصم في المجمل لا بالإضافة.

مضت إيران على هذا الحال منذ بدء التفاوض، ولا تزال تأمل مواصلة المضي عليه، ولكنها مدعوّة إلى أن تفرِّق بين الواقع المتغير المتبدِّل، وبين الأسطورة التي عاشت وتعيش وسوف تعيش، لا لشيء إلا لأنها أسطورة، أما الواقع فيظل محكوماً بأشياء أخرى ليس من بينها الأشياء التي تحكم الأسطورة، وتحكم بقاءها، وتحكم التجدد في معناها من عصر إلى عصر.

إيران مدعوّة إلى أن تدرك أنها ليست دنلوب، حتى ولو كانت تعمل على استهلاك الوقت واستغراقه، وليست دول الخليج الجارة لها في مقام العرسان الذين كانوا يدقون باب السيدة دنلوب، وإذا كان الاتفاق الذي جرى توقيعه أيام أوباما في شأن البرنامج النووي قد أخفق في النهاية، فلأن دول الخليج لم تكن حاضرة في مراسم توقيعه، ولم تكن مطالبها مرعية يوم التوقيع. لم تكن حاضرة رغم أنها طرف أصيل في الموضوع، ولا بديل عند توقيع اتفاق جديد عن أن تكون هواجس دول الخليج ماثلة على الطاولة، وأن تكون ما تفكر فيه جزءاً من أي اتفاق، وإلا، فسوف يُعاد إنتاج الاتفاق السابق.

لقد أطلق الرئيس ترمب عملية «مشروع الحرية» قاصداً تمكين السفن العالقة في مضيق هرمز من مواصلة رحلتها، وكان عند إطلاقها يريد في الحقيقة أن يقول إن اعتماد الأسطورة اليونانية في التعامل مع الولايات المتحدة لا يمكن أن يدوم، وإنه إذا كان قد استمر كأسلوب، فلا يمكن استمراره إلى الأبد، لأن صبر الإدارة في واشنطن لن يطول.

صبر دنلوب كان من نوع صبر أيوب (عليه السلام)، ولكن سوء حظ الحكومة في طهران أن الرئيس ترمب متعجل بطبعه، ولا يطيق الصبر، ولا يعرف طريقاً إليه. والمعنى أن الأسطورة إذا كانت قد أسعفت الإيرانيين مرة، فلن تسعفهم في كل المرات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد