: آخر تحديث

ولادة ثانية.!

3
2
3

في زمنٍ يتكاثر فيه الشعر كما تتكاثر الظلال عند الغروب، لا يعود السؤال: كم عدد الشعراء فينا ؟ ولا أي أشكال الشعر أكثر حضورا ؟ ولا حتى مدى التصالح بين هذه الأشكال وثراء التجارب فيها؟ بل من يقرأ كل هذا الامتداد؟ ومن يضيء حدوده؟ هنا، يقف النقد لا بوصفه سلطةً على القصيدة، بل بوصفه رئةً أخرى لها؛ إن اختنقت، اختنق معها المعنى، وإن تنفّس، اتّسع الأفق، فلم يعد النقد ترفًا ثقافيًا، ولا هامشًا يجيء بعد اكتمال النص، بل شريكًا في ولادته المتأخرة، ذلك أن القصيدة لا تكتمل حين تُكتب، بل حين تُقرأ قراءةً تفتح فيها طبقاتها، وتُستنطق احتمالاتها، فالناقد ليس تابعًا للشاعر، بل نظيره في المغامرة: الشاعر يخترع الجمال، والناقد يكتشف مساراته الخفية، يعيد ترتيبه في الوعي، ويمنحه قابلية البقاء، غير أن الأزمة التي يتحدّث عنها كثيرون لا تكمن في الشعر وحده، بل في انقطاع هذا الحوار الخلّاق بين النص ومرآته، فالشاعر اليوم، في كثير من الأحيان، يمضي وحيدًا داخل قناعته الشكلية، يعتنق بنيةً واحدة ويجعلها خلاصًا نهائيًا، كأن الشعر دينٌ لا يتعدّد، بينما هو في جوهره سؤال مفتوح لا يستقر، والمتلقي، من جهته، انصرف إلى الومض، يلتقط القصيدة من تطبيق عابر، بيت هنا في سياق "حكاياتي" أو انطباع ذوقي فارغ عبر " بودكاست" استعان بالشعر كما هي حالنا معه على مر التاريخ.. يلتقطه كما تُلتقط صورة عابرة، لا بوصفها تجربة إقامة طويلة في اللغة، ويبقى الناقد، ذلك الكائن الذي يفترض أن يصل ما انقطع، فإذا به في كثير من الأحيان موزّع بين صرامةٍ أكاديمية تُشيّئ النص وتفْصله عن حيويته، أو انطباعيةٍ سريعة تكتفي بالدهشة دون أن تُنتج معرفة، وهنا تتجلّى الحاجة الملحّة إلى ما يمكن تسميته بـ”النقد التفاعلي“؛ ذلك الذي لا يقف خارج التجربة، بل يدخلها، يُصغي إلى نبضها، ويعيد بناءها في ضوء أسئلة العصر، والنقد التفاعلي ليس مجاملةً للنص، ولا محاكمةً له، بل حوارٌ حيّ معه؛ يختبر لغته، يكشف بنياته، ويضعه في سياقه الثقافي والجمالي، لا ليحكم عليه، بل ليفتحه على إمكاناته، إنه نقدٌ يعترف بأن كثرة الإنتاج ليست أزمة بحد ذاتها، بل فرصة لاكتشاف خرائط جديدة للجمال، شريطة أن توجد عينٌ صبورة، قادرة على التمييز، لا تكتفي بما يقع في اليد مصادفة، بل تسعى إليه كما يسعى الباحث إلى معنى يليق بجهده.. ولعلّ المفارقة الأكثر وضوحًا أن الشعر في جزيرة العرب، على وجه الخصوص، يعيش اليوم ازدهارًا نوعيًا لا يمكن إنكاره؛ تجارب متعددة، أصوات مختلفة، وجرأة في تفكيك الموروث وإعادة بنائه، غير أن هذا الازدهار، إن لم يُواكَب بنقدٍ يليق به، قد يتحوّل إلى ضجيجٍ بلا ذاكرة، أو إلى أرشيفٍ بلا قراءة، ومن هنا، يغدو النقد شاهدًا فاعلًا لا مجرد راوٍ متأخر؛ شاهدًا يُسهم في كتابة التاريخ، لا بتسجيل ما حدث، بل بصياغة كيفية فهمه، إنه ذلك الأفق المتسع الذي يمنح التجارب شرعيتها الجمالية، ويضعها في سياقها، ويكشف ما بينها من خيوط خفية، لتتحوّل من محاولات فردية إلى حركة شعرية واعية بذاتها، لذلك أجزم أننا لا نحتاج إلى ناقدٍ أكثر صرامة، ولا إلى شاعرٍ أكثر ادعاءً، بل إلى هذا اللقاء النادر بين بصيرةٍ تعرف كيف ترى، ولغةٍ تعرف كيف تُنصت، فحين يتحقق ذلك، لا يعود النقد ظلًا للشعر، بل يصبح ضوءه الآخر؛ الضوء الذي لا يكتفي بأن يراه، بل يجعله مرئيًا في ذاكرة الزمن، ويمنح بالتالي نصوصنا الشعرية الكثيفة والمتنوعة ولادة ثانية بصورة أو بأخرى..!

فاصلة:

العصافير فوق الشجر ..

والممر طويلٌ طويلٌ

وظل العصافير أيقظ ظن الفراشات .. فاعتكفت تنتظر

كل تاريخنا جملةٌ

فعلها الآن "ماضٍ" وفاعلها "شاعر" مستتر !


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد