: آخر تحديث

ترمب ــ ماسك: منهج ثوري وخطة ترميم

10
9
7

«لماذا يفعل دونالد ترمب ما يفعله؟» هذا هو السؤال الذي أثاره المثقفون الأوروبيون هذه الأيام وهم يحاولون التعافي من صدمة الانتخابات الرئاسية الأميركية التي كانوا يعتقدون جميعاً أنها سوف تفوز بها المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس.

يطرح الفيلسوف التلفزيوني الفرنسي الشهير ميشيل أونفري هذا السؤال في عدد من البرامج، وكذلك يفعل كُتّاب الرأي في الصحف في لندن وبروكسل وبرلين، فضلاً عن الخبير الاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس.

ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال بسيطة: إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفعل ما يفعله لأنه وعد بالقيام بهذه الأمور، ولديه عقد مع 78 مليون مواطن أميركي صوَّتوا له. ومع ذلك، فإن الإجابة البسيطة لن تُرضي الطبقة الفكرية المثقفة التي دأبت على إظهار الهيبة من خلال المفاهيم المعقدة التي تُطرح بلغة مصممة لإثارة إعجاب عامة الناس، إن لم يكن لإخافتهم.

ولإيجاد «إجابة أعمق» يقترح أونفري التركيز على إيلون ماسك، الشخصية الحالية البغيضة إلى فئة مشاهير الأدب والثقافة في المقاهي الباريسية. وهو يصور ماسك على أنه رجل انتهازي مدفوع بالجشع، تمكن من أن يبيع لترمب ولأنصاره حزمة من السلع باسم تطبيق التكنولوجيا الفائقة على الإصلاح السياسي.

ويوجه فاروفاكيس أصابع الاتهام إلى ماسك بدور الزعيم في ظهور الطبقة الأوليغارشية الناشئة التي تطرح النسخة الأميركية من حكم النخبة الثرية المستبدة في الصين وروسيا. والهدف النهائي لهذه الأقلية الحاكمة الجديدة يتلخص في خصخصة الحكومة، وهو المفهوم الذي يعد بغيضاً بالنسبة إلى المفكرين الأوروبيين، الذين ينظرون إلى الدولة الهوبزية «دولة الطبيعة» بوصفها النسخة الأرضية من الألوهية. ولكن بالنسبة إلى الأميركيين، على الرغم من قبولهم الدولة القوية الجبارة ضرورةً، فإنه يُنظر إليها دوماً على أنها تهديد محتمل للحريات التي سعى أجدادهم إليها في أثناء فرارهم من الطغيان الأوروبي.

واليوم، قد يرى منتقدو ترمب في أوروبا أن وصوله إلى السلطة كان بمثابة نسخة حقيقية مما تصوره جاك لندن وسنكلير لويس مع ماسك بوصفه الشخصية البديلة للقائد العظيم.

لكنَّ ثمة فارقاً كبيراً مع ذلك. عند لندن ولويس، حاول الرأسماليون مفرطو الثراء خلق «الطاغوت» الجماعي الضخم الذي يُملي كل جانب من جوانب الحياة. في ظل مثل هذه الحالة، سوف تُلغَى المشاعر والعواطف، نظراً لأن المتبرع العظيم يضمن سعادة اصطناعية للجميع من خلال خوارزميات مصمَّمة تهدف إلى ضمان المساواة. وسوف تُطبق هذه الحالة أيضاً معيار «المقاس الواحد المناسب للجميع» على مجالات أخرى، لا سيما العلوم والفلسفة والأدب والفن.

ومع ذلك، يهدف مشروع «ترمب-ماسك» إلى تقليل حجم الطاغوت الجماعي ومنع استخدامه في خدمة آيديولوجية «المقاس الواحد المناسب للجميع».

على عكس أميركا، حيث كان من المفترض أن يبني المجتمع نفسه ويتطور من خلال السوق الحرة والشركات الفردية في أوروبا، بعد فترة وجيزة خلال العصر الفيكتوري في إنجلترا، أُوكلت مهمة بناء وتنمية المجتمع إلى الدولة. وفي الكثير من الحالات، اكتشفت أوروبا قبل الولايات المتحدة مفاهيم الشركات الخاصة والسوق الحرة. وفي بريطانيا، لعبت مثل هذه المفاهيم أدواراً رئيسية في أعمال آدم سميث، بصفته مؤسس علم الاقتصاد الحديث. وفي فرنسا، كان غيزو وفريدريك باستيا من أوائل الرواد المبكرين لأفكار مماثلة. ولكنها الولايات المتحدة التي وجد فيها أولئك الأنبياء الأوروبيون أتباعهم الحقيقيين.

ذات يوم، قال جون دي روكفلر، وهو رأسمالي مفرط الثراء ومُزدرَى: «إننا لا نريد أمة من الفلاسفة، بل مجرد أمة من العمال». وكان جورج برنارد شو هو الذي قال مازحاً: «أولئك الذين يستطيعون العمل لا يستطيعون التدريس!».

وفي الأصل، كانت الجامعة الأميركية تهدف إلى تعليم الشباب كيفية التفكير، وليس تلقينهم ما يجب أن يفكروا فيه.

خلال عهد الهيمنة من النخب الملتزمة بالصوابية السياسية، تحولت الجامعة الأميركية إلى نسخة علمانية من المعاهد الدينية، حيث كان يُسمح فقط بالفكر المصرح به، في حين كانت تُحظر كل الأفكار الأخرى على اعتبار أنها مُلفقة أو مخرِّبة.

كان هربرت سبنسر قد حذَّر من أن الجامعات قد تتحول إلى مصانع للفكر المستبدّ، بهدف تمهيد الطريق أمام العبودية الفكرية. وتحدث هوبز من قبله عن أن «الجامعات استحالت خيولَ طروادة للأعداء الذين يَعدون أنفسهم متفوقين على غيرهم للتسلل إلى المجتمع»، وقُتل الطاغوت الضخم بآلاف الجروح.

وهكذا، من الناحية النظرية، فإن «مؤامرة» ترمب - ماسك، كما يسميها أونفري، تهدف إلى إزالة القيود المفروضة من خبراء الصوابية السياسية على الفكر والتعبير، وحتى تنقيح -أو ربما تحريف- النصوص الكلاسيكية للتكفير عن الذنب الخيالي للآباء والأجداد من «الأغلبية الذكورية البيضاء» المتوهَّمة، وبالتالي فرض التماثل تحت مسمى التنوع. تريد هذه المؤامرة وضع المنهج الثوري في خدمة ما يمكن أن يُنظر إليه على أنه استعادة، مع استرجاع أميركا بعضاً من قيمها المنسية.

يقول أونفري إن ترمب «مجنون» وإن ماسك انتهازي. ومع ذلك، كان ترمب حكيماً بما فيه الكفاية لفهم ما يريده غالبية الأميركيين. أما أن يكون ماسك انتهازياً فهو أفضل من أن يتنكر في زي «المتوغل» الذي عَظُمَ شأنه فجأة.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت خطة الترميم والإصلاح لديهما سوف تنجح من عدمه. ولكن التشكيك في شرعيتها يعد إشارة على حسد خبراء السياسة الأوروبيين الذين يشهدون عالم الصوابية السياسية خاصتهم يتهاوى من حولهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد