: آخر تحديث

أين الصين؟

11
12
10

قبل عملية طوفان الأقصى التي شنّتها حماس ضدّ إسرائيل، ساد انطباع بأنّ الصين أصبحت لاعباً أساسياً في ساحة الشرق الأوسط، وفسّر البعض ما يحصل بأنّه تعاظم قوّة بكين على حساب دور الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما شجّع البعض على الدعوة إلى التوجّه شرقاً لمواجهة الولايات المتحدة أو تعويضاً عن الفراغ الناجم عن انكفاء أميركي مزعوم من المنطقة، لكنّ حرب غزة أثبتت عكس ذلك.

الافتقار إلى القوّة الناعمة
قبل اندلاع حرب غزة نجحت الصين في التوسّط بين طهران والرياض ورعاية اتفاق بعد عقد من التوتّرات والمواجهة في عدّة ساحات، وهو ما دفع البعض للاعتقاد بأنّ الصين انتقلت من كونها قوة اقتصادية عظمى إلى قوة سياسية أكثر فعّاليةً وحضوراً على الصعيدين العسكري والأمنيّ، ويمكن أن تلعب دوراً في حلّ القضايا والمشكلات المستعصية في الشرق الأوسط. الزيارات التي قام بها الرئيس الصيني إلى دول المنطقة قد تكون تركت انطباعاً بأنّ الصين تتطلّع إلى توسيع نفوذها خارج المجال الاقتصادي لتكون أكثر حضوراً وفعّاليةً في ملفّات النزاع في المنطقة.

حصول الصين على عقود لتنفيذ مشاريع بنى تحتية في المنطقة وتزايد النشاطات الاستخبارية الصينية أثارا الحساسيّة الأميركية، وخصوصاً في ظلّ التقارب الصيني مع دول الخليج، وتحديداً المملكة العربية السعودية والإمارات، وهي الأسواق الأكثر أهمّية في المنطقة. وعلى الرغم من اعتماد دول المنطقة على واشنطن في الشؤون الأمنيّة وأمور التسلّح، أظهرت رغبتها بالتعاطي مع الصين في بناء وتطوير المشاريع الكبرى، لأنّ الصين لا تفرض شروطاً على هذه الدول ولا تتدخّل في شؤونها الداخلية تحت شعارات حقوق الإنسان والحرّيات العامّة.

قد تكون دول المنطقة أصبحت أكثر جرأة في مواجهة واشنطن ومعارضتها، إلا أنّ هذه الدول لا تزال تتعاطى مع واشنطن على أنّها القوة العظمى التي تلجأ إليها لقيادة العالم وضبط النزاعات وحماية النظام العالمي في شكله الحالي

على الرغم من القدرات التقنيّة العالية للصين وقدرتها على تلبية متطلّبات الدول في مجالات متعدّدة وحاجات أسواقها، تبقى الصين تعاني من غياب قوّتها الناعمة ووزنها الثقافي في المنطقة. كما أنّ الصين لا تقدّم مساعدات خارجية تتناسب مع حجم اقتصادها.

غزّة كشفت المستور
كشفت حرب غزّة أهليّة الصين لأن تكون لاعباً في المنطقة يعطي ضمانات ويمكن الاعتماد عليه دبلوماسياً وأمنيّاً.

مضى أكثر من أربعة أشهر على اندلاع الحرب في غزة مع احتمال أن تتحوّل هذه الحرب إلى مواجهات واسعة تهدّد السلم الإقليمي والعالمي، ومع ذلك لم نشهد أيّ نشاط دبلوماسي أو مبادرة من قبل الصين، مقارنة مع الجهود الدبلوماسية الأميركية والأوروبية التي تحول المنطقة وتتطلّع إليها الدول المعنيّة بالنزاع في اجتراح الحلول وضمان تطبيقها. الموقف الصيني لم يتعدَّى البيانات الروتينية التي تدعو إلى الحلول الدبلوماسية وتدين أعمال العنف.

يثير هذا الغياب تساؤلات عدّة عن السياسة الخارجية الصينية وأولويّاتها في الشرق الأوسط. على الرغم من اعتماد الصين المتزايد على موارد الطاقة من المنطقة والحاجة إلى استقرارها لتأمين سلاسل التوريد، تبدو الصين متردّدة في التورّط بالأزمات السياسية، مفضّلة الحياد أو اللاموقف. هذا التناقض بين الوجود التجاري الكثيف والدور الدبلوماسي الضعيف يلقي الضوء على استراتيجية الصين الحذرة في المنطقة.

من جهة أخرى، يمكن النظر إلى هذا الغياب كجزء من سياسة الصين الأوسع في تجنّب الانخراط في النزاعات الدولية، والتركيز بدلاً من ذلك على تعزيز مصالحها الاقتصادية والتعاطي مع مناطق العالم كأسواق لا مناطق نزاع. في حين أنّ هذا النهج قد يكون مفيداً للصين من الناحية الاقتصادية، إلا أنّه يثير تساؤلات عن مسؤوليّاتها كقوة عظمى على الساحة الدولية، خاصة في مناطق تُعتبر حيوية لمصالحها الاقتصادية.

قد تكون دول المنطقة أصبحت أكثر جرأة في مواجهة واشنطن ومعارضتها، إلا أنّ هذه الدول لا تزال تتعاطى مع واشنطن على أنّها القوة العظمى التي تلجأ إليها لقيادة العالم وضبط النزاعات وحماية النظام العالمي في شكله الحالي. أعادت حرب غزة التأكيد أنّ أميركا ومن خلفها الدول الغربية لا تزال اللاعب الأقوى والأكثر نفوذاً في المنطقة على الأقلّ لهذا العقد.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد