لماذا نسي العرب أن القارة السمراء من شمالها إلى جنوبها ذاكرة عربية؟ تمبوكتو وحدها تحتاج إلى كتاب. فهل يكفي السودان نهرُ مدادٍ مدادهُ سبعة أنهرٍ؟ واحَرّ قلباه، فهذه الأنهار تجري قانيةً، قطوفها دامية، لا من جنيّ الثمرات الدانية.
قلت للقلم: كن عاقلاً، افتح حنفية شرشحة التشريح بطريقة حنفيّة لا حنبلية متشددة، فمنذ سنين وشعوب عربية عدّة مغرمة باستذكار مئات المرادفات للسيف، ومئات أخرى للأسود والليوث. هل تتوهم أن أصحاب الدم إلى الركب في السودان قد شمّروا عن ثيابهم استعداداً لتمايلات عشرات الفرق الصوفية؟ لا وقت للتيجانيّة اليوم، فالتيجان على رؤوس ملوك الوغى في عواصم الجبروت الغربية، والمتقاتلون هم العبد المأمور، في رقاب الشعب المقهور.
وقلت للقلم: لا تَفُه ببنت شفة في شأن المثقفين العرب، فهم في لذائذ أحلام الكرى، فما دخل أهل العمودي وقصيدة النثر والفنون التشكيلية في نسف العراق وسوريا وليبيا وإحراق السودان؟ وهل تحركت شعرة ثقافية حين طار جنوب السودان؟ دعك من السياسة، فالمهم في الثقافة هو المتعة. دع دم الأخوين يترقرق أو يتصبب، واغنم من الحاضر لذّاته من الرقص والجدبة عند الصوفية في زاوية الكركرية الناظورية في السودان. الثقافة العربية تعرف جيّداً أن العالم العربي أربعة عشر مليون كيلومتر مربع، فبتر جنوب السودان قرصة بعوضة. يكفي أن الذاكرة الثقافية العربية نقشت على مائها أسماء التيجاني يوسف بشير، محمد الفيتوري، الطيب صالح. هي الذاكرة العربية كم من ميجابايت؟
الثقافة العربية على خطى فيروز تشدو: «ضاق خلقي يا صبي..شو ما بتفهم عربي؟». هل نسينا الصومال ودوره في الفتوحات الإسلامية؟ هل تناسينا الأدوار التي لعبها في الاقتصاد العالمي، في تجارة الذهب والعطور وكل شيء ثمين؟ أبمجرد أن فقد قيمته في البورصة السياسية، صار يستحق سلة المهملات؟ كأن التجذير اللغوي ألقى بظلاله، فكلمة صومال هي فعل أمر من فعل أومالي بمعنى احلب، وعندما جفّ الضرع فقد البلد قيمته.
لا يمكن المرور على علاقتنا الثقافية بإفريقيا من دون التعريج على كتاب صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة: «تقسيم الإمبراطورية العمانية»، الذي فيه شفاء الغليل عن أربعة آلاف كيلومتر على الشريط الإفريقي كانت إمبراطورية عمانية.
هل يستطيع غريب أن يختلق لنا جذوراً مستلبة للغرب؟ التفرقة بين جذورنا العربية والإفريقية والآسيوية بدعة خبيثة استعمارية. لا شيء يفصل اللغة الحبشية عن اللغات السامية. الجغرافيا لا تحدّد الثقافة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التوعوية: هذه الأجراس لها أصداء طويلة الأنفاس. إن شاء الله.

