: آخر تحديث

قمة التفاهم

15
25
17
مواضيع ذات صلة

لأول مرة منذ مدة طويلة أتابع مجريات هذه الدورة من القمة العربية التي عقدت في جدة بكامل تفاصيلها وكل ما قيل فيها وعنها، وتمعنت بكل خطاب وكل خطيب، وفي اللقاءات الثنائية على هامش القدمة، وحتى في أدق التفاصيل تعابير الوجوه وتبادل النظرات والإيماءات، حتى في طريقة السلام، والاصطفاف من أجل الصورة الجماعية.

كانت القمم العربية في الماضي مدعاة للتوتر، بل والمزيد من الشقاق بين العرب، وإظهار الخلافات بين الأنظمة السياسية العربية والقادة العرب للعلن، حتى أننا شهدنا في بعض القمم مشادات كلامية وتبادلا للاتهامات والمسبات، ثم يصدر عنها بيانات هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع.

هناك من قال إن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أوحى لبعض الزعماء العربي آنذاك بأهمية تشكيل الجامعة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، وظاهر هذه الدعوة هو الخير والتقاء العرب والتفاهم حول القضايا المشتركة خاصة المصيرية منها، لكن الهدف الأبعد والأخبث هو أن تحل هذه الجامعة مكان الوحدة العربية الحقيقة، حيث لا داعي للوحدة طالما أن هناك كيان صوري يجمع العرب.

هذا اليأس من دور وأهمية الجامعة العربية تبدد مع قمة جدة الأخيرة، خاصة وأنها جاءت في وقت حاسم بالفعل تشهد فيه المنطقة تبدلات ربما تكون الأكبر منذ سبعين عامًا، وهي تبدلات تتجسد بشكل أساسي في تغير التحالفات، وهذا أمر بات ظاهرًا للعيان، فدول المنطقة، وخاصة دول الخليج العربي، لم تعد تضع كل البيض في سلة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة وأن التحالف الخليجي الأمريكي لم يكن متوازنا في آخر عشر سنوات على الأقل، بعد أن أخلَّت واشنطن بالتزاماتها الأمنية والسياسية والعسكرية تجاه الخليج العربي، وأبقت بل وزاد من مكاسبها الاقتصادية.

رأينا العرب وقد التفوا حول بعضهم البعض في جدة. لم نرَ استهتار صدام حسين أو خطابات القذافي المجنونة أو الحضور الحرج لمشيال عون، وإنما حضر صوت العقل في كل خطاب، وفي كل لقاء، وفي كل صورة، وأعطى العرب رسالة للعالم أن قمتهم في جدة تجمع يكاد يوازي بأهميته تجمعات دولية أخرى مثل الدول الصناعية السبع والآسيان وغيرها.

الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله في قمة جدة كانت كالعادة شاملة وعبرت عن موقف واضح وثابت اتجاه حل مختلف القضايا، كما شددت على أهمية تعزيز الأمن والسلم في المنطقة، وخطورة التدخل في الشئون الداخلية للدول، وأهمية احترام سياداتها، وأكدت مرة أخرى مواقف مملكة البحرين الثابتة في تحقيق الأمن والاستقرار والتعاون المشترك وحل الملفات العالقة عبر الحوار المشترك والبناء.

هذه الكلمة السامية أكدت بشكل راسخ للمواقف الحكيمة والمتّزنة لمملكة البحرين إزاء جميع والقضايا والتغيّرات السياسية الدولية والإقليمية، وعكست حرص المملكة على المشاركة الدائمة في الشراكات الاستراتيجية التي توطّد العلاقات وتسهم في تكريس وتوطيد الصداقة بين الدول، الأمر الذي ينعكس إيجابًا في تحقيق الأمن والسلام. والكلمة عكست أيضا مبادئ جلالة الملك المعظم، كانت سهلة صادقة لا تصنع فيها، وعبرت عما تتطلع إليه البحرين من رخاء للشعوب وعيش مشترك وطمأنينة وأمن وسلام ينعم به الجميع.

ولقد سجلت قمة جدة العديد من النقاط المهمة، من بينها عودة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية وإبدائها لقناعة كاملة بأنه ليس هناك من طريق أفضل من العودة للحضن العربي والعمل وفق ما تقتضيه المصلحة العربية المشتركة، والعمل لكسب ود الأشقاء العرب وليس الطامعين بهم.

حضور لبنان والعراق في القمة العربية كان مختلفًا هذه المرة، وسمعنا من هذين البلدين كلمات أكثر تفاؤلاً، وطلبًا من أشقائهم العرب تفهم أوضاعهم، ومساندتهم. لفترة من الفترات كنت اعتقد أننا كعرب خسرنا لبنان وخسرنا العراق، لكن هذه القمة أعادت لنا إيماننا بأننا مهما افترقنا فلا بد لنا دائما من العودة لعروبتنا.

حتى السودان وضح لأول مرة أشياء كنا نجهلها عن الخلافات والصدامات الدامية التي يمر بها، وخلفياتها، ومع أنها تؤلمنا إلا أنني اعتقد أنها ستكون بداية الحل للسودان كما حدث لمصر وتونس.

رأينا أيضًا خطوة جريئة وذكية تمثلت بدعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للقمة العربية، وما حضوره للقمة سوى رسالة أخرى تبرز الدور العربي المتصاعد على الساحة الدولية، خاصة الدور الخليجي، وإسهامات دول الخليج العربي في حل القضايا العالمية، وقد سمع زيلينسكي جوابا واضحا ومقعنا، هو أن العرب ليسوا طرفا في الحرب في بلاده، بل وسيط تهدئة وسلام. والجميل في الأمر أن حضور الرئيس الأوكراني لم يزعج القيادة الروسية، بل إن الرئيس بوتين أرسل برقية للقمة يبدي فيها استعداده لتوسيع التعاون مع الدول العربية والإسلامية.

توالت الأخبار السعيدة بعد القمة، بما في ذلك إعادة التمثيل الدبلوماسي بين البحرين ولبنان، وفتح خطوط الطيران، وهي خطوة أولى نحو خطوات أكثر تقدما، كما تسير المصالحة بين السعودية وإيران في الاتجاه الصحيح خاصة بعد تسمية سفير لطهران في الرياض، ومن المتوقع أن تشهد المنطقة انفراجات أخرى قريبًا.

ولقد نظرت أيضًا بفخر وإعجاب إلى قادة الخليج العربي من الشباب الذين يعطونا أملاً أكبر بشأن المستقبل، وأننا لن نعيش في الماضي بعد الآن، بل سنقفز نحو غد يجلب الازدهار ليس لشعوب الخليج العربي فقط، بل للمنطقة والعالم.

ففي الواقع، لم تكن مجريات هذه القمة ونتائجها بهذا التميز والنجاح لولا التخطيط والمبادرات الجريئة التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية الشقيقة بالتعاون مع أشقائه القادة في دول الخليج العربي، والتعاون في حلحلة الكثير من الملفات الشائكة قبل القمة. ولقد شعرت من خلال متابعتي للقمة العربية في جدة أن الجميع يرى المصلحة بأن يكون هذا التجمع العربي بداية انطلاقة عربية جديدة، وطبعًا هذا أثلج قلبي، وأعتقد جازمًا بأن الأيام القادمة ستكشف عن المزيد من ثمار هذه القمة، قمة سلام وانفتاح وصفحات جديدة في مستقبل مشرق لنا كعرب جميعًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد