: آخر تحديث

النتائج السلبية لغياب السياسات الثقافية الرشيدة في الجزائر

31
29
31
مواضيع ذات صلة

لم تجد المؤسسات الثقافية في الجزائر حتى الآن حلولاً ناجعة لأزماتها المركبة، ويرجع ذلك بحسب مراقبين للشأن الثقافي إلى غياب الإرادة السياسية للسلطة التي تتحكم في المؤسسات الثقافية والفنية الكبرى وفي الغلاف المالي الذي تستفيد منه هذه المؤسسات. ويعتقد عدد من الكتاب والأدباء أن الحل ينبغي أن يبدأ من إنقاذ التنظيمات والجمعيات الثقافية المحورية، وفي مقدم ذلك إخراج اتحاد الكتاب الجزائريين من وضعه المزري الذي ما فتئ يتفاقم منذ سنوات ويتمثل في الجمود الذي أصاب مفاصله جراء تحويله إلى ملكية، وذلك في صورة جمعية خاصة يتحكم بها ثلاثة أفراد منذ سنوات طويلة، علماً أن هذا الاتحاد كان منذ تأسيسه في 28 تشرين الاول (أكتوبر) 1963 رابطة عمومية مفتوحة للجميع.
 
وقد التقيت بعض أصحاب دور النشر  وعرفت منهم أنها تعاني أيضاً من وطأة اليأس بسبب غلاء الورق والحبر وندرة قطاع غيار المطابع التابعة لهم، فضلاً عن غياب دعم الدولة الذي كان متوافراً في السنوات الماضية، الأمر الذي أدى بعدد من هذه الدور إلى غلق أبوابها بعد تعرضها للإفلاس. 
 
ويجمع المعنيون بالشأن الثقافي، من مبدعين وناشطين ثقافيين وأصحاب المكتبات والمطابع ودور النشر، على أن جذر المشكل الثقافي في الجزائر يعود، راهناً، إلى عدم امتلاك الجزائر الخريطة السياسة الثقافية الواضحة المعالم وذات الأبعاد الوطنية المحلية، والعربية والدولية في آن واحد، وجراء ذلك تعتبر الجزائر المستقلة من بلدان العالم الثالث التي تشكو مجتمعاتها من الجفاف الثقافي والفكري. وجراء ذلك فقد ضيعت الجزائر فرص بناء هويتها الثقافية الحداثية والأكثر عصرية بالإضافة إلى غياب أي حضور فاعل ومؤثر لها في الجغرافيات المغاربية والمشرقية العربية وفي العمق الأفريقي والأوروبي وهلم جرَا.
 
ومن المؤسف أن كل شعارات النهوض الثقافي التي رفعت في فترة الاستقلال لم تجد أي تطبيق ميداني جدي في الجزائر العميقة وفي المقدمة الوعد بالانفتاح على الثقافة الأفريقية الخصبة والمتنوعة لمناسبة احتضان الجزائر في أوائل سنوات الاستقلال المهرجان الثقافي الأفريقي الذي انعقد فيها، في ثمانينات القرن الماضي، فضلاً عن حصولها على عضوية كل من المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم ومنظمة اليونسكو واتحاد الكتاب والأدباء العرب، وعلى العضوية الرسمية في عدد من الهيئات والمنظمات العربية والدولية ذات الطابع الثقافي والسياحي وهلم جرَا.
 
ففي فترة الثمانينات من القرن الماضي شهدت الجزائر محاولتين في مجال تنظيم قطاع الثقافة والفنون ولكنهما بقيتا حبراً على ورق، وتتمثل المحاولة الأولى في إنجاز ملف السياسة الثقافية الذي تمَ بعد تشكيل الاتحادات الثقافية والفنية، فضلاً عن إنشاء كتابة دولة للثقافة والفنون الشعبية التي قامت في ذلك الوقت بندوات تحسيسية وتقييمية إيجابية للوضع الثقافي الوطني بنية مادية ونشاطاً ميدانياً، ولقد نتج من تلك الندوات تقرير دقيق وشامل تضمن مخرجات تلك الندوات التي شارك فيها بفعالية كتاب وأدباء ومؤرخون وفنانون ومختلف المنخرطين في الشأن الثقافي والفني.
 
من المعروف أن الاستعمار الفرنسي ترك بنية مادية ثقافية في الجزائر، ولكن هذه البنية تعرضت للتخريب المنهجي مثل تحطيم التماثيل الفنية، وطمس أسماء فنانين وفنانات كبار في مجال الفن التشكيلي والغناء والموسيقى، ودفن الصحف ذات الطابع الاجتماعي والثقافي.
 
أما على مستوى الهياكل المادية فقد تركت فرنسا أروقة لعروض الفنون التشكيلية، وقاعات للسينما ومكتبات ومسارح في مدن جزائرية، ولكن المسؤولين الجزائريين طوال فترة الاستقلال تركوا تلك البنايات الفخمة فريسة للتآكل والتفكك.
 
إذا تأملنا ما حدث ولا يزال يحدث في ميدان المعمار الموروث، والذي هو بعد ثقافي وفني وحضاري بامتياز، فإننا نصاب بالفجيعة جراء تفشي ظاهرة اندثار معالم أشكال المعمار القديمة ذات الأصل الجزائري الأمازيغي النوميدي الموغل في القدم، والإسلامي وتلك التي تعد جزءاً ثميناً من التراث المعماري الحضاري الذي خلفته الإمبراطوريات الأجنبية الكبرى التي شهدها الفضاء التاريخي الجزائري.
 
وفي الواقع لا يوجد حتى الآن تنظيم حداثي للمعمار الجزائري من جانب الدولة، وجراء ذلك فقد تحولت المدن والقرى إلى أشباح من الإسمنت يحاصرها ركام المزابل المتراكمة، والوحول في الشتاء والغبار في الفصول الأخرى.
 
وفي هذا الخصوص بالذات فإن الجزائر لم تقدر حتى الآن أن تنتج هوية معمارية وطنية ذات خصوصية ومؤسسة على نماذج التراث المعماري القديم ونماذج المعمار الموروث عن الحضارات المتعاقبة. وعلى هذا الأساس فإن الثقافة المعمارية المتميزة والمتطورة وجماليتها مطموسة ومغيبة في المشهد الوطني بالكامل.
 
وفي إطار البنية المادية للثقافة والفن يلاحظ أيضاً أن المكتبات العمومية والخاصة في الجزائر بدائية، وقليلة جداً مقارنة بتعداد السكان الذي يربو على 45 مليون نسمة. وأكثر من ذلك فإن المكتبة الوطنية في العاصمة، مثلاً، تتصف بفقر نوعية المؤلفات التي تحتويها وكميتها وبخلوها من الرصيد الفكري والعلمي والفني الأجنبي المؤثر في العالم.
 
وباختصار فإن المكتبات العمومية والخاصة في الجزائر لم تسهم حتى الآن في الإقلاع الثقافي الوطني وفي خلق البيئة الثقافية المتقدمة ذات الإشعاع في الفضاءات الحضرية وفي أرياف الجزائر العميقة. وبعبارة أخرى فإن المكتبات في الجزائر ليست سوى رفوف يتآنس فيها الغبار والصمت والكتب الصفراء القديمة والحديثة معاً وغير مؤهلة معمارياً وتنظيمياً لأن تكون منصات للتثقيف الحضاري.
 
هناك مشكلة خطيرة أخرى تؤزم الوضع الثقافي الجزائري وتتلخص في أن كل المعالم الثقافية والحضارية منسية أو مدمرة وكان بالإمكان تحويلها إلى نقاط مضيئة في الحياة الوطنية، فضلاً عن استثمارها كقوة ناعمة ذات مردود اقتصادي بما في ذلك الثروة الأثرية على امتداد الصحراء الجزائرية الأكبر في العالم. وبسبب ذلك نجد كل المواقع الحضارية حيث ولدت رموز الهوية الثقافية والفنية الوطنية مطموسة، ولا يعرف عنها العالم شيئاً يذكر.
 
وفي هذا الخصوص تمكن الإشارة إلى موقع أكبر لأهم جامعة فلسفية تأسست في التاريخ القديم في مداورش في منطقة الأوراس، الذي لم تنفخ فيه الحياة ولم يروج له ليكون مزاراً ملهماً لمدرسي وعشاق الفلسفة وللفلاسفة في العالم معاً، وزيادة على هذا فإن الدولة لا تملك مشروع تأسيس متاحف للأدباء والمفكرين والفنانين عبر الوطن لترسيخ مثل هذا التقليد الحضاري الذي من شأنه أن يربط الأجيال بذاكرتها الأدبية والفكرية والفنية ويغذيها روحياً.
 
هناك إنكار جزائري مفزع للشخصيات الأجنبية الأدبية والفكرية والفنية التي عاشت وأنتجت في الجزائر، أو لتلك التي ارتبطت بها بأواصر روحية ورمزية بدءاً من المفكرين والفلاسفة والأدباء والفنانين القدامى والمحدثين والمعاصرين أمثال أبو أليوس لوكيوس، والقديس أوغسطين، وابن خلدون، وكارل ماركس، وجان بول سارتر، وسيمون دو بوفوار، وألبير كامو، ولوي ألتوسير، وروجيه غارودي، وجان فرانسوا ليوتار، وجاك دريدا، وإتيبان ديني، ومريم ماكيبا، وسعدي يوسف، وسليمان العيسي، وشوقي بغدادي، وعبدالعزيز الراغب، ومنور صمادح، ويوسف إدريس، وغيرهم كثير جداً، فهؤلاء لم يصبحوا علامات ثقافية في ضمير الأجيال الجزائرية الجديدة. 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد