يبرز الإعلام الأميركي هذه الأيام الدور الذي لعبته الأسلحة الأميركية في مساعدة أوكرانيا على صد الهجمات الروسية وفي الانتقال إلى الهجمات المعاكسة. تزامن ذلك مع زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للولايات المتحدة الأربعاء الماضي، وإلقائه خطاباً أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، وإعلان وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن رسمياً قراراً بتزويد كييف ببطارية واحدة من صواريخ "باتريوت" المضادة للصواريخ.
إذاً هناك تطوران مهمان حصلا الأسبوع الماضي، الأول هو خروج زيلينسكي للمرة الأولى في زيارة خارجية منذ بدء الحرب في 24 شباط (فبراير) الماضي، والثاني تمثل في رفع واشنطن مستوى التسليح لأوكرانيا ليشمل واحداً من أكثر الصواريخ تطوراً في الترسانة الأميركية.
هذان الحدثان لم يرافقهما مثلاً أي كلام في السياسة أو حديث عن تسوية دبلوماسية. لكن الغريب كل الغرابة أن يأتي الحديث عن الدبلوماسية وضرورة حل النزاع بالحوار، من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بينما كان معظم أعضاء الكونغرس الأميركي يصفقون وقوفاً لزيلينسكي.
الحرب التي فرضت ثلوج الشتاء ثباتاً في خطوطها الأمامية عموماً، لا شك بأنها أنهكت الجانبين. وإذا كان الجيش الأوكراني قد حقق نجاحات مهمة خلال الصيف الماضي، فإن مواصلة هذه الهجمات صارت أصعب، بعدما أعاد قائد القوات الروسية الجنرال سيرغي سوروفيكين تنظيم خطوط الجبهة ودعّم الخطوط الدفاعية، بينما بنى مقاتلو مجموعة "فاغنر" دفاعات قوية في منطقة دونيتسك.
ولا يبدو أن المسؤولين الأميركيين الذين يؤكدون مواصلة الدعم لأوكرانيا، يظهرون حماسة للمضي في الحرب إلى الحدود التي يرسمها زيلينسكي. هم لا يقولون ذلك علانية، لكن تكرار الإشارة من جانب وسائل الإعلام الأميركية للدور الحاسم الذي لعبته الأسلحة والمعلومات الاستخبارية الأميركية، في دحر الهجوم الروسي، وإرغام روسيا على التراجع من ضواحي كييف وخاركيف وخيرسون، يعتبر من قبيل لفت نظر زيلينسكي إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار الدعوات الأميركية إلى السلام، وعدم التصعيد بما يزيد من مخاطر نشوء صدام مباشر بين أميركا وروسيا.
وعلى سبيل المثال، لا تشجع أميركا أوكرانيا على شن عمليات في العمق الروسي، وهي أعلنت من قبل أنها أدخلت تعديلات على منظومة "هيمارس" الصاروخية التي سلمتها لكييف، بحيث لا تصل قذائفها إلى داخل الأراضي الروسية. كانت تلك إشارة أميركية إلى موسكو بأنها لا تحرّض أوكرانيا على توسيع الحرب.
وصحيح أيضاً أن واشنطن رصدت 45 ملياراً أخرى لدعم أوكرانيا، ليصل إجمالي الدعم الأميركي لكييف في عشرة أشهر إلى نحو مئة مليار دولار، لكن السخاء الأميركي له شروطه التي يتعين أن تراعي عدم ذهاب زيلينسكي إلى تجاوز الخطوط الحمر الأميركية.
أضف إلى ذلك التعب الأوروبي من الحرب، والذي بدأ يظهر على شكل إضرابات تطاول قطاعات حيوية في بلدان أوروبية عدة وسط موجات تضخم غير مسبوقة. ففي بريطانيا أعلنت نقابة الممرضين إضراباً للمرة الأولى منذ إنشائها قبل 106 سنين. هذا عدا قطاعات حيوية أخرى مثل البريد وخطوط السكك الحديد. وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا واليونان، ليست بأفضل حال.
الحرب تستنزف روسيا وأوكرانيا وأوروبا، وأميركا نفسها ليست بمنأى عن الأثمان الباهظة التي يدفعها الغرب عموماً من أجل إحباط الهجوم الروسي على أوكرانيا، وعدم جعل أوكرانيا تنهزم.
هذه الحدود التي رسمها الغرب منذ اليوم الأول لتدخله إلى جانب أوكرانيا. ولا بد أن زيلينسكي قد سمع في واشنطن كلاماً قد لا يتماشى مع طموحاته في إذلال روسيا.
اليوم يتحدث بوتين عن استعداده لـ"حلول مقبولة"، ولم يعد يطرح تلك الشروط الجذرية التي طرحها مع انطلاق الحرب قبل عشرة أشهر.
هي فرصة يتعين على واشنطن استغلالها لبدء الحديث في السياسة، لأن المضي في التصعيد سيقود حتماً إلى نقطة تتجنب إدارة الرئيس جو بايدن الوصول إليها، وهي الاصطدام المباشر مع أكبر قوة نووية في العالم.
أين تقف حدود الدّعم الأميركي لزيلينسكي؟
مواضيع ذات صلة

