: آخر تحديث

مصطفى محمود ليس اسمه!!

12
14
17
مواضيع ذات صلة

الشهادة لله كنت أحد الذين شربوا المقلب، ظننت أن الكتاب الذي قيل عنه رواية ويضم «32 تيمة» هو سيرة ذاتية عن الحياة الحافلة للمفكر المصري الدكتور مصطفى محمود، العنوان كان خادعًا ومتنكرًا، وكان متلبسًا روحًا فضفاضة لا يستطيع القارئ معها أن يلتقط الصورة الكاملة من أول وهلة.

لكن «اسمي: مصطفى محمود» الذي هو عنوان أحدث مؤلفات الكاتب الصحافي وائل لطفي، قد جاء برياح لم نكن نشتهيها، ثم إن الندوة التي تم على إثرها التعليق من صديق العمر الكاتب الكبير نبيل عبدالفتاح تمنحني القدرة والحجة معًا لكي أتلصص عما كان وراء العنوان الكبير، بل وعما يخبئه جلاء المحتوى.

لقد فاجأني المؤلف وهذا أسلوب أفهمه جيدًا بأن العنوان لم يعنِ شيئًا بقدر ما يحمل الجار والمجرور، وأن المضمون كان محاكمة لعصر على حساب عصر آخر، كان رصدًا لمتغيرات، وسيرة لتحولات، أكثر من كونه وصفًا تفصيليًا لشخصية أثارت من الجدل، مثلما أثرت في عدة أجيال متلاحقة.

العلم والإيمان لم يكن تكريسًا لدولة العلم والإيمان التي كان ينادي بها السادرات محوًا لتاريخ الزعيم الخالد عبدالناصر، العلم والإيمان كان برنامجًا تلفزيونيًا وإن كان يحمل نفس العنوان السياسي الكبير لحقبة السبعينيات إلا أنه قد ربط العلوم الحديثة بما ورد في الشريعة الإسلامية السمحاء «قرآن وسنة محمدية»، وما جاء به الأولون.

العلم والإيمان كان برنامجًا مجلجلاً ومؤصلاً لعبقرية التراث عندما تتوافق مع حداثة العلوم، وأهمية الفهم الصحيح لصحيح الدين.

«اسمي مصطفى محمود» لم يكن المقصود به رصد لسيرة مفكر مصري حاول التفكير خارج الصندوق، ولم يكن تأسيسًا لحالة فكرية معاصرة بقدر ما كان محاكاة للرفض السبعيني لما جاء به أنور السادات من سياسات انتصارًا لما كان يحققه عبدالناصر في الستينيات.

رجال عبدالناصر ورجال السادات، هذا هو العنوان الكبير الذي تحمله مضامين «اسمي مصطفى محمود»، محاكمة لعصر، ومحاصرة لفكر، وخلطة غير سحرية بين «العلم والإيمان»، والشيخ الشعراوي الذي تم رفضه رغم الفارق مع الإخواني يوسف القرضاوي أو الداعية الشيخ عبدالحميد كشك، أو الدكتور زغلول النجار.

لم يكن اسمي أو اسمك هو مربط الفرس في مؤلف يحمل الشعار السياسي فوق أكتاف المرحلة، ويعيش أضغاث أحلام أرقت مخادع المنطوين على مرحلة سبقتها.

لم يبحث السادات وهذا ليس دفاعًا عن حقبته التي لها ما لها وعليها ما عليها، عن بديل لهيكل عبدالناصر، ولم يختر الرجل مصطفى محمود كبديل، هذا كاتب سياسي وذاك مفكر ذاق الأمرين في رحلته بين العلم والإيمان، أو من شبه الإلحاد إلى الإيمان، لم أنس من مقولات مصطفى محمود ذلك المقطع الذي مازال يدهشني، «كل إنسان منا يحتاج لأي شيء يؤمن به، يسد الفراغ الفطري الذي جئنا به إلى هذه الحياة، ربما في دين وليكن إسلامنا الحنيف، وربما في نبي وليكن محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، وليكن حتى أب أو مفكر كبير، أو سياسي عظيم أو حتى درويش أهبل»، صاغها الرجل في إحدى مقدمات مقالاته ليس بذلك التفصيل إنما بالرؤية ذاتها، والمعنى ذاته.

من هنا ولن أتحدث بالوكالة عن كتاب خرج إلى النور وأصاب من أصاب، ولن أتجاوز المفاجأة وأنا أقلب في «المختصر المفيد» من فحواه التي اختلفت شكلاً وموضوعًا عن العنوان العريض، لكني حاولت ليس إلا أن أتذكر مع القارئ العزيز كيف كانت رحلة مصطفى محمود الذي لن يستطيع الدفاع عن نفسه اليوم، ولن يقوم من مرقده ممسكًا بالرمح والدرع ليرد الصاع صاعين، وكيف أن إيقاع الظلم برحلته أصبح مقصدًا لرجل رفض تسييس مواقفه، ولم يعلق إذا ما كانت كامب ديفيد حق أم باطل، أم حق يُراد به باطل، فلا الخلط يفيد، ولا الحديث عن الموتى يتم بالدقة التي تنشد، وبالأمانة التي يستحقون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد