: آخر تحديث

عن المونديال والنّزاهة والاستعراض والخيبة... وسحر الشرق

7
7
11
مواضيع ذات صلة

انتهى المونديال وأسدلت الستارة على الاستعراض الترفيهي الضخم الذي شغل العالم شهراً وصبغ الكرة الأرضية بألوانه التي حجبت أحداثاً كبرى كانت تقع مجرياتها في أماكن متعددة من هذا العالم.
 
انتهى المونديال وعادت الحياة في العالم كله إلى إيقاعها اليومي العادي وإلى همومها ومتاعبها، والى أفراحها وأحزانها. وعاد الفائزون والخاسرون الى يومياتهم الروتينية. كأن لا شيء كان ولا شيء تغير. فقط الذين رفعوا كأس الفوز هم الفائزون الذين سيكرسون أبطالاً يذكرهم التاريخ. المونديال مثل مسابقات ملكات الجمال وملوكه، ومثل برامج المسابقات الغنائية والطبخ، فائز واحد في النهاية يحصد كل شيء. الباقون كانوا مجرد سلم لصعود البطل. لن يذكروا إلا نادراً هم وإنجازاتهم. لن يتحدث الناس عنهم. فقط البطل يتذكره الناس باعتباره حامل الكأس أمانة للمونديال المقبل.
 
انتهى المونديال وضبضبت المنتخبات والجماهير أغراضها وعادت الى بلدانها، منها من يرفع شارات النصر ومنها من يجر ذيول الخيبة. غداً سيعود المشجعون الى تشجيع أنديتهم التي تستعد لاستئناف بطولاتها المحلية والقارية. فقط الأرجنتين ستحتفل، الآخرون كلهم مهزومون. هنا لا يعتد إلا بالنتائج، الباقي تفاصيل وأساليب لعب ولمحات عابرة تستحق الإعجاب في وقتها ولا تصرف في أي مكان.
 
ستبقى قطر لفترة طويلة تحتفل بالإنجاز الكبير، إقامة مونديال ناجح بكل المقاييس التنظيمية من دون شوائب، مع استضافة حارة اعترف بها العالم الذي كان بعضه حاول قبل المونديال تعكير أجواء التحضيرات والتنظيم ككل. من حقها أن تستثمر في نجاحها بعد تعب وإنفاق كبيرين.
 
انتهى المونديال، واستحق الفائز الكأس العالمية الأكبر والأثمن، وترك انطباعات وملاحظات كثيرة:
 
- للمرة الأولى يدخل المونديال الى عالم الشرق الإسلامي، كان واضحاً منذ البداية انه سيكون مختلفاً شعبياً وثقافياً، لا تشبه قطر أي دولة نظم فيها المونديال سابقاً. مونديال "محافظ" لكنه ساحر بسحر الشرق، حكايا السوق والكورنيش والناس وحفاوة استقبال العرب والجمهور العربي المتعطش لمونديال على أرضه. صحيح أن ما قيل عن دخول المئات في الإسلام ليس دقيقاً، ولا يعدو كونه بالنسبة الى الغربيين مجاملة وتجربة "لطيفة" إلا أن الفرصة كانت جيدة لتعريف وتعارف وفرحة مشتركة خالية من اضطرابات المونديالات السابقة واحتكاكات جماهيرها العنيفة في أحيان كثيرة.
 
- في الحديث عن الجمهور، كان الجمهور الأرجنتيني هو الأول والنكهة المميزة للمونديال، شباب وشابات جميلات ملأوا المدرجات، استدانوا ثمن بطاقات السفر، وبعضهم باع سيارته ليحضر. ملأوا المدرجات هتافاً وتشجيعاً والشوارع غناء ورقصاً. وراؤهم يأتي الجمهور المغربي وأهل البيت مشجعو الدول الخليجية التي اعتبرت مونديال قطر مونديالها الشخصي، ثم البرازيلي.
 
- في النواحي الفنية في الملعب كان المونديال باهتاً نسبياً، قليلة المواجهات المثيرة بفنياتها العالية وحماستها، اللهم إلا بعض المباريات المعدودة التي كانت قمتها المباراة النهائية التاريخية التي حبست الأنفاس طوال شوطيها الأصليين والإضافيين وركلات الترجيح. إيطاليا نكهة المونديالات وصاحبة الجمهور الكبير غابت، وكذلك السويد وكولومبيا والنمسا، إسبانيا وألمانيا وبلجيكا والأورغواي خرجت مبكراً وتبعتها البرازيل والبرتغال وسويسرا. كان مفاجئاً خروج الكبار الذي أظهر أن هناك قوى أخرى تصعد الى مسرح العرض مثل المغرب واليابان، لكن ذلك لا يعني في الحقيقة أن كرة القدم انهارت في معاقلها التاريخية. ربما كان على ألمانيا وإسبانيا والبرازيل وبلجيكا أن تدفع ثمن استهتارها وعجرفتها وفوقيتها، وكذلك ثمن غباء اختيارات مدربيها.
 
- هذا المونديال كان مونديالاً بلا نجوم ولم يفرز نجوماً جدداً. باستثناء ميسي المكرس نجماً كبيراً منذ زمن طويل ومبابي، لم نشهد نجوماً كباراً. لم يلمع النجوم الذين كان يفترض أن يلمعوا كثيراً. لا فينيسيوس ولا نيمار ولا دمبليه ولا غابي ولا بيدري ولا هولندي ولا إنكليزي. لعبوا كما يلعبون دائماً وربما أقل، بينما حمل ميسي منتخب بلاده وقاد رفاقه باقتدار. كل اللاعبين الذين صفق لهم الجمهور في لحظات معينة سيعودون الى أحجامهم الطبيعية غداً. لم يرتفع سعر أحد في السوق، بقيت الأسعار على حالها، بحسب متابعة بورصات أسعار اللاعبين في العالم.
 
- كما في كل مونديال ارتفعت الصرخة في مباريات كثيرة من سوء التحكيم، كان ملاحظاً تدخل الفار في البداية عند كل شك، لكن تدخلاته أصبحت قليلة لاحقاً، وخصوصاً في مباراة المغرب وفرنسا، وفي غيرها. كانت هناك شكوى من أخطاء التحكيم بقيت ضمن حدود المعقول. بكل الحالات ليس المونديال مبارزة في العدالة والنقاء والنزاهة. لطالما تم التلاعب بالمباريات وترتيب النتائج في أكثر من مونديال.
 
-أخيراً، بات لميسي مونديال، على غرار مونديالات بيليه ومارادونا وزين الدين زيدان ورونالدو البرازيلي وباولو روسي الإيطالي وباكنباور الألماني وغيرهم.
 
غداً يوم آخر وانتظار لمونديال آخر على أمل أن يعود الى سحر الشرق يوماً ما عساه يكون قريباً، والسعودية بدأت السعي الى ذلك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد