لم تكن الملكية في أوروبا دائماً دستورية، فملوك أوروبا لم يكونوا دائماً مجرد رموز تشريفية، والملكية الدستورية تعتبر نظام حكم حديثاً قياساً لعمر الملكية المطلقة، قبل أن تهتدي أوروبا، تحت ضغط التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها القارة والعالم كله، إلى هذه الصورة الحديثة من الحكم، التي قصرت مهام الملك على أدوار رمزية وشرفية، فيما تعهد السلطة الفعلية إلى البرلمانات المنتخبة والحكومات التي تتشكل، بناء على نتائج الانتخابات.
ومع أن بريطانيا لم تضع لنفسها دستوراً مكتوباً، لكن هناك مجموعة من الأعراف المستقرة والثابتة التي لها قوّة النص الدستوري، والتي تنظم آليات الحكم في البلاد، ومع ذلك فهي تعدّ من نماذج الملكية الدستورية التي يشار لها بالبنان عند الحديث عن هذا النموذج من الحكم أو الأداء السياسي للدولة، الذي يحدد، ويقيّد، في الآن نفسه، سلطة الملك في حدود إطار دستوري وقانوني متفق عليه.
ورمزية أو شرفية الملك لا تعني أنه لا يتمتع بأي سلطة، فبالإضافة إلى كونه رمزاً للدولة ووحدة الأمة، على النحو الذي عرفته الملكية البريطانية، فإن للملك سلطات من قبيل حل البرلمان أو إعطاء الموافقة الملكية على التشريع، أو تكليف رؤساء الحكومات بتشكيلها، على ضوء نتائج الانتخابات التشريعية.
وفاة ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، التي أصبحت ملكة منذ العام 1952، واستمرت على العرش لمدة 70 عاماً و7 أشهر ويومين وهي فترة حكم من بين الأطول في التاريخ، كانت حدثاً سلّط الضوء على المدد الطويلة التي مكث فيها بعض الملوك ملوكاً، وهي ظاهرة لم تعد تتكرر كثيراً، ولا يبدو أنها، في حالة بريطانيا على الأقل ستتكرر قريباً، بالنظر إلى أن عمر الملك الجديد، تشارلز الثالث، اليوم 73 عاماً.
وعلى الرغم من المدة الطويلة لحكم إليزابيث الثانية، إلا أن تاريخ الملوك أظهر أن هناك ملكاً آخر فاقها في مدة المكوث على العرش هو الملك الفرنسي الذي عرف ب«الملك الشمس»، الذي توّج ملكاً على فرنسا وهو في سن الرابعة من عمره، تحت وصاية والدته، في عام 1643 حتى وفاته في سن 76 عاماً في عام 1715، أي أنه حكم طوال 72 عاماً و3 أشهر و18 يوماً.

