: آخر تحديث

الحرب الأوكرانية والآفاق «الواقعية»

8
7
9
مواضيع ذات صلة

استعرضت المقالةُ الماضية كيف أن المدرسةَ الواقعيةَ في تحليل العلاقات الدولية تفسر بامتياز نشوب الحرب في أوكرانيا وتطورها، فماذا عن آفاق تسويتها؟ يجب أن يكون واضحاً قبل البدء في محاولة الإجابة عن هذا السؤال أن التفكير الواقعي لا يفضي بالضرورة إلى مسار واحد للسلوك؛ لأن الأمر يتعلق في جانب مهم منه بأهداف صانعي القرار وإدراكهم للحقائق الواقعية، ومن ثم فإن تأثيرها على قراراتهم يتباين وفقاً لهذه الأهداف وطبيعة إدراكهم للواقع. ويظهر هذا بوضوح من التأثيرات التي أحدثها تطور العمليات العسكرية على صانعي القرار والمحللين الاستراتيجيين على الجانبين. فأما الجانب الروسي، فإن الهدف من العمليات العسكرية ذو أولوية مطلقة بالنسبة للأمن الروسي؛ ولذلك فإن سير العمليات وما انطوت عليه من تكلفة اقتصادية وبشرية لا نستطيع حسابها بدقة، لكنها بالتأكيد كبيرة، لم يؤدِّ إلى أي اهتزاز في منظومة الأهداف الروسية يمكن أن يفضي إلى التوقف عن القتال أو حتى خفض التصعيد، خاصة وأن روسيا تكاد تستكمل تحقيق أهدافها في دونباس. كما أنه من الواضح أن العقوبات، وإن كانت لها آثارها على الاقتصاد الروسي بالتأكيد، إلا أنها لم تؤدِّ إلى أي تغيير في الأهداف الروسية، وهو ما يتسق مع خبرة توقيع العقوبات على دول أضعف بما لا يُقارن مع روسيا، وعلى العكس فإن ثمة مؤشرات تماسك في الاقتصاد الروسي لعل أهمها تحسن سعر الروبل من 150 روبل للدولار في بداية الحرب إلى 54 في أعلى مستوى له منذ سنوات، ويرجع ذلك أساساً إلى اشتراط روسيا بيع غازها بالروبل. ومن مؤشرات التحسن الأخرى تخفيض سعر الفائدة للمرة الثالثة منذ بداية الحرب بواقع 3%‏ في مايو الماضي، وهو مؤشر على النجاح في كبح جماح التضخم في الوقت الذي أجرى فيه الاحتياطي الفيدرالي الأميركي منتصف هذا الشهر ثالث رفع لسعر الفائدة منذ مارس الماضي بما وصل مجموعه إلى 1.75%‏، فضلاً عن ارتفاعات أخرى قادمة متوقعة. أما على الجانب الآخر، فقد أفضت هذه التطورات إلى اتجاهين متباينين؛ أولهما اتجاه الصقور في التحالف الغربي وتمثله الولايات المتحدة وبريطانيا، وهو مازال يتحدث عن إمكانية الانتصار على روسيا عبر تزويد أوكرانيا بمزيد من الأسلحة النوعية والتدريب عليها، أو على الأقل دفع روسيا إلى وقف القتال والتفاوض. ويرى البعض أن أصحاب هذا الاتجاه يدركون عدم واقعية ما يعلنونه، لكن لهم مآرب أخرى من استمرار الحرب؛ أهمها استنزاف القوة الروسية، وإرضاء الصناعات العسكرية، وتعزيز شرعيتهم الداخلية. أما الاتجاه الثاني، فيتفرع بدوره إلى توجهين يتمثل أولهما على استحياء في مواقف دول أوروبية كفرنسا وألمانيا، وهي دول تنادي باستمرار التواصل مع روسيا، وذكرت بعض التقارير أن الزيارة الأخيرة لكييف التي قام بها الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء الإيطالي ربما تكون قد حاولت تليين الموقف الأوكراني. أما التوجه الآخر، فكان شديد الوضوح وجاء على رأسه هنري كيسنجر الذي دعا صراحةً إلى تسوية سياسية للحرب، تتضمن تنازلات أوكرانية لروسيا. لكن المعضلة تتمثل في صعوبة، إن لم يكن استحالة استجابة أوكرانيا للمطالب الروسية؛ لأنها تتعلق بسلامتها الإقليمية، حتى ولو حدثت تحولات داخلية مواتية لروسيا في أوكرانيا. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد