دول العالم اليوم بعد الأزمة الروسية الغربية أصبحت أمام تحدّ كبير وسؤال أخطر يدور حول الاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه هذه الدول، فالعالم يشهد حالة تنافس شديدة وحالة استقطاب أشد من أي وقت مضى، فقد تكون هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها حدة التنافس تخرج عن إطارها الدبلوماسي وتدخل في منعطف يتجاوز المعايير الدبلوماسية إلى مرحلة هي أقرب إلى المواجهة غير المباشرة، وهذا ما يجري بين الغرب ممثلاً في أمريكا وأوروبا في مقابل روسيا، وبصورة تبدو مستقبلية تظهر الصين على طرف الأزمة، هذا المشهد هو محاولة جادة للنظام الدولي للخروج من عنق الزجاجة لنظام دولي نشأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية ولكنه يصل اليوم إلى حالة سياسية يبدو أنها تتطلب استبدال مقوماته، فالحالة الدولية الاقتصادية أصبحت تنافسية إلى درجة كبيرة ويصعب تسييلها في نظام دولي تقليدي.
ولكي تكون الصورة أكثر وضوحاً في جانبها الاقتصادي نلحظ جميعاً أن العملة الصينية (اليوان) تمارس صعوداً مباشراً كعملة عالمية قادمة، وفي ذات الوقت خلقت الأزمة الروسية الأوكرانية تقدماً سريعاً (للروبل) بينما تسعى أوروبا إلى أن تمارس كل الجهود لكي تبقى (اليورو) في موقع دولي قوي، ومع دخول هذه العملات كمنافس معتمد للدولار الأمريكي الذي تربع على عرش الاقتصاد العالمي لعقود طويلة، فإن الأسئلة تتضاعف عن المستقبل الدولي عبر هذه الأزمة، وهناك حقيقة تاريخية تؤكد أن تنافس القوى الدولية الكبرى إذا بدأ فهو لا يتوقف إلى أن يصل إلى حلول، بما يعني أنه ليس هناك خيار أمام العالم اليوم إلا أن يستعد لتنافس شديد ينتج مساراً مختلفاً، هكذا يعمل النظام الدولي في تحديد معايير القوة والمنافسة.
الحرب الروسية الأوكرانية بتأثيراتها العالمية هي فعلياً تهدد الأمان الدولي وتهدد الاقتصادات الدولية وسيتحتم على الدول أن تستعد للصدمات الاقتصادية، وفي المقابل تتضاءل القدرة الدولية على بحث الحلول، لأن الأقطاب الدولية تدخل منعطفات تجعلها تصب تركيزها بشكل كبير على المخاطر المحتملة التي يمكن أن تنتجها الأزمة على معايير السلطة والنفوذ لكل دولة، ولذلك فإنه من الطبيعي أن يشهد العالم خلال الأشهر المقبلة ارتفاعاً في تكاليف السلع الأولية الضرورية وستكون الدول وصناع السياسة فيها أمام تحد كبير من أجل تحقيق التوازن الفاصل بين احتواء التضخم ودعم التعافي الاقتصادي للدول.
الحرب الروسية الأوكرانية لن تنتهي بالشكل الذي يمكن توقعه، فالدبلوماسية فشلت منذ البداية في تجنب هذه الحرب، والخيارات المتاحة أمام الدول القوية اليوم خيارات صعبة ليس من حيث البحث عن حلول للحرب بل تكمن الأزمة في خطورة كبرى تخشى منها الدول في عملية إعادة توزيع القوة والنفوذ الدولي، والعالم يستعد بلا خيارات لتقبل فكرة تقاسم النفوذ بغض النظر عن نتيجة الأزمة، فالسيناريوهات محدودة: هناك من سيضيف إلى معايير نفوذه وسلطته معايير جديدة، وهناك من سيخسر بعض معايير نفوذه وأخيراً هناك دول سوف تتسلم معايير نفوذ جديدة كنتيجة لتخلي دول أخرى عنها. بمعنى دقيق نحن أمام فكرة واحدة إما استحواذ مطلق للسلطة والنفوذ الدولي تمارسه قوة بعينها، أو تقاسم نفوذ يعيد ترتيب العالم، ولكن المؤشرات السياسية التي يدير بها أطراف الحرب معاركهم تقوم على فكرة «أن اللاعبين الذين لا يمكن شراؤهم يجب إضعافهم بوسيلة أخرى» ويبدو أنه مهما قام به الغرب من تعظيم لتكاليف الحرب بالنسبة لروسيا إلا أن هناك أسراراً قابلة للكشف لدى الدول الكبرى سوف تضاعف الغموض وعدم اليقين في الأزمة الأوكرانية.
السؤال الأخير: ما هذه الأسرار وما تأثيراتها؟ هذا هو السؤال الذي تتكشف عنه الحرب الأوكرانية بشكل تدريجي «إذ إنه كلما ارتفع معدل المواجهة بين بوتين وبايدن زاد خطر كشف تلك الأسرار»، ومن المؤكد أن ضعف كفاءة السياسة الخارجية للأطراف المتنازعة هي سبب تدني مستوى المعالجة وارتفاع مستوى الخطورة على الموقف الدولي، ويبدو أن هناك في أوكرانيا من الحقائق ما يمكنه قلب الموازين الدولية إذا ما تم كشفه وخاصة أن الديمقراطية الغربية اليوم أقل ملاءمة لإقناع العالم بمثاليتها مما كانت عليه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فالبنية الأوروبية والنزاع القائم فيها سواء بين دولها أو بينها وروسيا وصعود الصين وفرض روسيا نفسها عبر عملية عسكرية واختلال أسعار الطاقة كل هذه مؤشرات معقدة قد تسمح للعالم اليوم بالاطلاع على أسرار القوة والنفوذ اللتين احتفظت بهما الدول الكبرى لعقود من الزمن.

