إيلاف من أصيلة:شكلت ندوة "الفن المغربي المعاصر والسؤال الثقافي"،التي افتتحت الجمعة،وتواصلت السبت،بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية بأصيلة،ضمن فعاليات موسمها الثقافي الدولي في دورته الصيفية،بمشاركة نقاد وفنانين وأكاديميين باحثين مختصين،مناسبة لـ"إنعام النظر في طبيعة تطور الوعي الفني،وانخراطه في الأسئلة العامة التي شغلت الثقافة،من إعادة إنتاج النموذج الغربي،إلى الوعي بالتراث والحداثة والآخر والأسلوب،باعتبارها مفاهيم تسكن جوهر الممارسة الثقافية في شتى تجلياتها، ومن ثم رصد أسس العطب التي أفضت إلى عدم القدرة لدى الأغلبية على امتلاك وعي ثقافي يستند المهارة والإنجاز التشكيليين".
من جمهور الندوة
وانطلقت الندوة من أرضية،بقلم منسقها شرف الدين ماجدولين، الناقد وأستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، رسم فيها صورة "واقع مغربي لم ينجز حداثته الثقافية بشكل متوازن بين الأجناس التعبيرية المختلفة ،من الشعر إلى الرواية إلى السينما إلى المسرح والتشكيل ...حيث برزت على الدوام تفاوتات موحية، بأعطاب راسخة في منظومة الثقافة".
وزادت الأرضية أن "حال الصدمة سرعان ما يتفاقم بالموازاة مع (ويا للمفارقة) اتساع قاعدة الممارسة الفنية بالمغرب، بحيث برز للوجود تدريجيا فنانون بملامح "عجز فكري"متفاوت، قد ينحصر في مظهر أول في الاتكال على المهارةوالمعرفة الفنية،وقد يمتد إلى الاكتفاء بتفاصيل سطحية من تاريخ الفن، لتبرير الاختيار والسعي إلى تفسير العمل البصري"،والحال أن "تعقيد المنجز يتعارض مع التبسيط المعرفي وما يستند إليه من تحليل، فيبدو أشبه ما يكون بارتجال فني يخلو من أية رؤية".
في هذا السياق، تحدثت الورقة عن إمكانية ربط "الإعاقة الفكرية" بالمشهد الثقافي،وما تخلله في مرحلة ما بعد سبعينيات القرن الماضي من تفتت طاغ، أفضى إلى انعزالية ملحوظة لمبدعي الأجناس التعبيرية المختلفة بعضهم عن بعض، بحيث بات نادرا أن تجمع قضايا جمالية موحدة، وأسئلة ذات جوهر فكري، مبدعين من شتى الاختيارات التعبيرية اللفظية والبصرية في التصوير والنحت والرواية والمسرح والسينما والشعر، إلا ضمن هوامش بالغة الضمور.
أصيلة وذاكرة الفن المغربي
قال ماجدولين،في جلسة افتتاح الندوة، إن أصيلة كانت وما زالت جزءا أصيلا من تاريخ الفن المغربي"، مشيرا إلى "ذاكرة تعود إلى هاجس أساسي منه نبع الموسم"،يتمثل في الفن التشكيلي، الشي الذي جعل من "مدينة الفنون" جزءا من ذاكرة الفن المغربي.
جمهور يتابع الندوة
وذكر ماجدولين أن أصيلة "جزء من مشتل أساسي لكي يكون دائما ثمة من يحملون المشعل"، فيما يقدم تاريخ المشاغل في أصيلة كتاريخ احتضان لهواجس الفنانين.
وتحدث ماجدولين عن محور الندوة، وقال إنه "مستفز"، لافتا إلى أن دور أصيلة هو أن تضيف جرأة إلى حجم الاستفزاز، وأن تثير كل النقاشات.
ورأى ماجدولين أن للعنوان علاقة بذاكرة أصيلة، المدينة التي كانت دائما حاضنة للفنون والإبداع، وبالتالي له مشروعية في ما يطرح اليوم من أسئلة، مشيرا إلى أننا "لا نحتاج إلى أن نجيب، لكن أن نتحدث بصوت جهير، ويتحول كل سؤال إلى منطلق للتفكير"، لافتا إلى أن أصيلة كانت دائما منطلقا وقاعدة أساسية لهذا النوع من الانشغال، المتمثل في "أن يكون لدينا ذلك الحس لأن نجعل المشترك الخفي شأنا معمما، وجزء في أسئلتنا".
بن عيسى والصراعات الصعبة
عاد محمد بن عيسى، رئيس بلدية أصيلة وأمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، في كلمته الافتتاحية للندوة، إلى المراحل التي عبرتها الفنون عبر تاريخ موسم أصيلة.
وتحدث بن عيسى عن علاقته بالفنان محمد المليحي وسؤال البدايات، في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، حول سبل إنقاد أصيلة، التي كانت وقتها في حالة سيئة على مختلف الصعد. وقال: "قررنا سنة 1976 أن نخوض عملا لم يكن لنا به سابق عهد: السياسة، من خلال الانتخابات البلدية".وأضاف: "من أجل الغاية الإصلاحية المجتمعية بدأنا بالفنون التشكيلية. وتحسيس ناس أصيلة بأهمية مدينتهم من خلال الصباغة على الجداريات. كان ذلك في 1978. كان هنا بلكاهية والقاسمي وشبعة والميلودي. أما أطفال أصيلة الذين كانوا يرافقون كبار الفنانين، فقد صاروا اليوم فنانين كبارا".
تلميذات من أصيلة تتابعن أشغال الندوة
وعاد بن عيسى إلى بدايات موسم أصيلة، فقال: "لم يكن عملنا مفهوما في زمن الحرب الباردة وصراعات السبعينيات الصعبة في المغرب. من لم يكونوا يعرفوننا كانوا يناهضوننا على أساس أننا نسعى لصباغة الجداريات التي يسكنها الضعفاء والفقراء".
وأضاف: "اكتشفنا أنه لا يمكن أن يعيش الناس بالفن وحده، وأنه لا بد من إثارة انتباه المسؤولين إلى وضعية المدينة. أضفنا فقرات فنية أخرى، كالحفر. ثم قررنا أن ننظم جامعة صيفية بمشاركات من داخل المغرب وخارجه . كانت هناك جرأة وروح مغامرة لاستضافة اسماء، من قيمة ليوبولد سيدار سنغور. ثم انتبهت الدولة إلى ما تتطلبه المدينة من متطلبات أساسية".
وتطرق بن عيسى إلى موضوع الندوة، فقال إنه شيق، وأننا قل ما نطرح السؤال الثقافي حول الفن، مشددا على أن التأسيس لخطاب نقدي علمي يؤهل المغرب في المنطقة والعالم ليكون رائدا في هذا الجانب.
أفاية وسؤال صدى الإبداع المغربي
بدوره ، تحدث محمد نور الدين أفاية، المفكر ومدير المعهد الأكاديمي للفنون بأكاديمية المملكة المغربية، عن علاقته بموسم أصيلة، وقال إنها تعود إلى أول مرة كتب فيها عن مواسم أصيلة سنة 1983 بمجلة "الوحدة"، في وقت "كانت فيه تجربة أصيلة تواجه معارضة شرسة داخل الحقل الثقافي بالمغرب، ورأيت أن أغرد خارج سرب هذه الهيئات الثقافية لقناعة تؤمن بأن تجربة أصيلة تجربة أصيلةٌ يتعين احتضانها"، مشيرا إلى أن هذا الموسم "مختبر ثقافي استثنائي في تاريخ المغرب"، مبرزا "ما تتميز به نخبة المدينة من إرادة المعرفة ومن خيال ومن مبادرات، وفي طليعتهم محمد بن عيسى، حيث احتضنت وتناولت وواجهت كل الأسئلة التي شغلت النخبة المغربية المعاصرة في علاقتها بذاتها، وبالممارسات الثقافية والفنية، وبالقضايا الكبرى التي تشغل الإنسان بعامة، تحركها إرادة واضحة في الارتقاء في مختلف أوجه قضايا الثقافة العصرية".
وقال أفاية إن موضوع الندوة ليس جديدا على مواسم أصيلة، حيث تم تناوله في مناسبات عديدة، إلا أن "ورقة اليوم تعرض علينا موضوع الفن المعاصر في المغرب في علاقته، ليس فقط بالمسألة الثقافية في عموميتها، وإنما تكثف إشكالا مستداما في الممارسة الفنية المغربية استدعى محررها قاموسا حمل منسوبا بارزا من الارتياب فيما أسمته الورقة "قدرة الفنان على الإقناع المعنوي، وتقديم خطاب بصري نافذ"".
ورأى أفاية أن الورقة تطرح مسائل متداخلة ومترابطة، وتتضمن تقييما قد تبدو على مفرداته بعض الشدة، أو بعض الحدة، أو "الاستفزاز"، بتعبير ماجدولين، لا سيما وأنه "قام على نفي وجود ما هو مطلوب في الفن المغربي المعاصر".
وقدم أفاية معاينات، قال إنه قد تبدو عليها درجة من الشدة والحدة كذلك. وأضاف أن مؤشرات عديدة تؤكد على أن التحولات التي شهدها المجتمع المغربي في العقود الأربعة الأخيرة جعلت "صورة المثقف والفنان والنخب الكلاسيكية تهتز وتتراجع بالتدريج"، وذلك لأسباب عديدة، لخصها في تسعة، يتمثل أولها في "ضعف ذاتي داخل النخبة ناجم عن سياقات تشكلها"، حيث أن "تاريخ المثقف والفنان العصري تاريخ حديث ومحدود جدا"، بدأ مع ستينيات القرن الماضي. أما ثاني الأسباب فيتمثل في "تغير بنية النخبة الثقافية المغربية ووظائفها بسبب التحولات الكبرى التي طرأت في بنية المجتمع بسبب إدماج المجتمع القسري والسريع في عالم الاستهلاك المادي بكل ما يفترض ذلك من قيم لا تساعده على الاجتهاد والإبداع والتميز"، وثالثها في "بروز نخب جديدة تتميز بالبراغماتية والنفعية الآنية، مرتبطة بالرأسمال الاقتصادي بدلا من الرأسمال الرمزي"، ورابعها في "الاستبطان المنقوص والمزيف لقيم الحداثة وما ترتب عنه من نزاعات وصراعات بين المثقفين والفنانين، وعجزهم عن المساهمة في خلق تيار عام مقتنع بقيم الاعتراف والإبداع والاختلاف"، وخامسها في "تراجع الجامعة وتدهور جودة التكوينات"، وسادسها في "ظهور نخب دينية وسياسية وإعلامية تطغى عليها النزعات المصلحية، تشتغل تحت الطلب ولا تكثرت كثيرا لبناء قيم المواطنة والمبادرة، أو إلى أخلاقيات التفكير النقدي والمناقشة"، وسابعها "تنامي الوسائط الجديدة في الإعلام ودورها في ظهور فاعلين افتراضيين ومؤثرين بكل الصفات وأنماط الخطاب، حيث تحولت الأمية عندنا من أمية بسبب الجهل بالقراءة إلى أمية قراءة الأحداث السريعة السطحية دون إعمال العقل"، وثامنها في "تعميم ما ينعت بالتفاهة في وسائط الإعلام والتواصل في المجتمع والاحتفال بقصص نجاح في الرياضة وفي الغناء وغيرها من المجالات التي تجلب الأنظار المشاهدات أكثر من أي متخصص في الإبداع والمعرفة"، وتاسعها في "ازدهار ميولات التهافت على الحقول الإبداعية كما على الكتابة عنها، وهو تهافت يتحرك داخل أقبية ثقافية هشة وفي سياق وجداني متورم يتميز بمنسوب عجيب من تضخم الأنا والتسرع في إصدار الأحكام القطعية والمجاملات المنتجة للوهم، وهو ما لم لن يسعف في وضع أسس نظرية نقدية وجمالية يمكن البناء عليها لتطوير الممارسة الإبداعية في بلادنا".كما تحدث أفاية عن وجود "استثناءات وكتابات تمتلك جدارة المعرفة، والتقدير المناسب لقيمة العمل الفني، من حسن الحظ، لكن القاعدة العامة، تتميز بضعف".
ولاحظ أفاية وجود "مسلسل انتقاص" من العمل الثقافي في الخطابات السياسية وداخل المقاولات الخاصة وأصحاب الثروات، واهتزاز للمرجعيات والقيم، ونوع من الاحتباس السياسي، والضجيج على مستوى وسائل الإعلام، مشيرا إلى أن كل الدلائل تؤكد على أن العاملين في كافة الحقول الثقافية والمثقفين فقدوا الثقة في أفكارهم. وزاد أن الأطر التقليدية، التي عادة ما كانت تسمح للمثقفين بالتعبير عن إنتاجهم وأفكارهم، ومنها الجامعة، تتعرض للإهمال والتراجع، فيما حركت بعض وسائل الإعلام أقلاما وأصواتا تتقدم المشهد كما لو أنها تمتلك الكفاية والمشروعة للحلول محل المبدع والمثقف النقدي والمؤرخ.
وأمام كل هذا، يضيف أفاية، يتقدم المثقفون والمبدعون "كما لو أنهم فقدوا البوصلة". بينهم "من لاذ بالصمت، إما احتجاجا على التلوث السائد أو الالتباس المستشري أو توخيا للسلامة بالانكماش على الذات والانغماس في غربة مريحة، وإما لقول البعض بأن الإبداع والتفكير لم يعد مجديا ما دام أن الجمهور المفترض لم يتم إعداده بالشكل المطلوب".
ولاحظ أفاية أن المغرب، مع ذلك ، يشهد منذ ما يقرب من ربع قرن، "تفجرا للمُخيلة". واستحضر الأسماء الكبيرة التي تركت آثارها في الحقل الفني المغربي، من قبيل الشرقاوي وبلكاهية والغرباوي والمليحي وشبعة والقاسمي والكلاوي، وصولا إلى أسماء الجيل الحالي.
ورأى أفاية أنه يبدو من الملح طرح "سؤال الوعي الفني في الثقافة المغربية المعاصرة". وشدد على أن التحديث لا يقتصر على المجالات المادية والإدارية أو ينحصر في نخب محدودة العدد، بل يهم أيضا الذوق والحساسية الجمالية عند أكبر قدر ممكن من الناس. ولذلك، قال: "لن نمل من الإلحاح على الحاجة إلى إدخال وتعميم التربية الفنية والجمالية في المؤسسة التعليمية".
وشدد أفاية على أن المجهود التنموي بأبعاده العصرية يشمل العقل والسلوك والذوق،وهي أدوات ثلاث لمجالات متكاملة، هي الفكر والأخلاق والقيم والجمالية. ورأى أنه لن يتأتى هذا المسعى إلا بإدخال مطلب حرية التفكير في الإبداع وبالإبداع، وإدماج مقومات الفن والثقافة في السياسات العمومية وفي الفضاءات والمؤسسات المختلفة، وتنويع اشكال التواصل الثقافي للإسهام في تشكيل المجال العمومي.
وقال أفاية إنه خارج "المرارة الدفينة"، التي تميز ورقة الندوة من أوضاع الفن المغربي المعاصر والسؤال الثقافي، ومن عدم قدرة الفنان على الإقناع المعنوي، والخصاص الملحوظ في الوعي الثقافي عند نسبة محترمة من المشتغلين بالإبداع الفني، ثمة سؤال كبير تتعين إضافته إلى قلق الورقة، يتعلق بالفهم: "فهم أساسيات ومكونات الإبداع الفني والفعل الإبداعي واستيعاب التحولات التي تشهدها مسألة العلامة التي يشغلها كل فنان في أعماله".
ومع ذلك، يختم أفاية، ومهما بدا على هذه المعاينات من قتامة، فالمثقف والفنان في المغرب ما زال يصر على الكتابة والبحث والنشر والإبداع، ويعبر عن آرائه بشتى الطرق، وفي أغلب المناسبات المفصلية، بل إن خريطة الكتاب والمبدعين تتسع وتتنامى، غير أن "المشكلة الكبرى والدائمة تتميز في درجة الصدى الذي تتركه هذه الكتابات والإبداعات والتأثير الذي تمارسه على الرأي العام".
بورقية وشجرة أنساب الفنان
انطلق حسان بورقية، الفنان التشكيلي والناقد الفني والمترجم المغربي، من القول بأن الفنان لا بد أن تكون له شجرة أنساب من الفلاسفة والأدباء، وأن يكون هناك حوار متبادل، مقدما نماذج لفلاسفة وأدباء عايشوا الفنانين. وأضاف: "كان الفن هو الذي يولد المفاهيم، ويقدم لنا رؤية للحياة وللعوالم المشتركة داخل اللوحة".
حسان بورقية يتابع جانبا من الندوة مع الجمهور
ورأى بورقية أن "الحديث عن لوحة واحدة، بالضرورة، سيجرنا إلى الحديث عن تاريخ الفن بشكل عام". وأضاف: "لكي نؤثر في الجمهور، يستحيل أن نقدم عملا عن أنفسنا، كصورة تتكرر باستمرار، ولا نصدمه بالإتيان بشيء جديد وغريب".
واعتبر بورقية أن الفنان حين يتحكم في تقنية أو يصل إلى نهاية تجربة يجب عليه هجرها والذهاب بحثا عما يجهله.
وتحدث بورقية عن النظام التواصلي العالمي، الذي يعفي من طرح أي سؤال، وبالتالي من أن يكون للفنان شجرة أنساب يتحاور معه، فيها أحياء أو أموات، بعد أن صار كل شيء موجودا في جيبه، ممثلا في الهاتف.
وقال بورقية إن كوكبة شجرة الأنساب تساعد الفنان في مغامرة تأمل عمله أولا، وفي وضعه داخل سياق بصري وتاريخي معين. وأضاف أن مجرة شجرة الأنساب مهمة، من منطلق أننا "لا نمشي وحدنا، ولا نفكر وحدنا".
ورأى بورقية أن شجرة الأنساب تحتاج دائما إلى إضافة غصن فكري وفني وثقافي، وأن الفنان إذا أعاد نفس من ما أخذ ممن يحاورهم، فإنه لا يمكن أن يكون قد أضاف شيئا،
ويستحيل أن يقدم نفسه فنانا. قد يكون رساما يقوم بأشياء جميلة، يلون من دون أن يكون فنانا. وتساءل: "هل سبق أن تساءلنا عن ماهية الذات والأنا التي ترسم داخل السياق التاريخي الكبير، دون الوقوع في فخ سؤال الهوية السطحي؟ ماذا تريد وكيف تشتغل ؟". وأضاف: "الصباغة تحلم بأن تكون معتركا وفضاء للصراع. الصباغة ليست مستقرة وإلا تعفنت. الصباغة تريد نوعا من الصراع".
وذهب بورقية إلى أن المطلوب من الفنان الحامل لمشروع تاريخي وثقافي، ويبدع وفق رؤية معينة للعالم، أن يقلب التراتبية، ويزعزع الهيمنة. متحدثا، في هذا السياق، عن "مقاومة الإنسان الكبيرة في مغامرة لا تمل من أجل بلوغ المعرفة". وأضاف أنه في كل التقاليد العظيمة، تقتضي الثقافة نصيبا من الجرأة ومن الاستقلالية في الحكم على الأشياء، فهي التزام يومي. لا يمكن أن نطالب أي فنان بأن يعلل لنا كل إشارة أو خط أو لون في عمله، لكنه مطالب بأن يعرف حق المعرفة عالمه الصباغي، وأن يدرك أن ذخيرة المعرفة هامة في مساره".
وخلص بورقية إلى القول إن العمل الفني لا يصدر عن لعب شكلي بالألوان أو المواد أو غيرها، بل كفكرة لا مرئية تمنح العمل الفني شكلا معينا، تعيد إبداع عالم الفكر الحسي لا كجمال منفصل عن الحياة وإنما كخليط من الأخوة البشرية العظيمة؛ منتهيا إلى التشديد على "أهمية التعبير الشخصي، لأنه باب معرفة أصالة الفنان وعمله".
رشدي والتفكير الإنساني
تحدث محمد رشدي، الفنان التشكيلي والناقد الفني ومنظم المعارض، عن علاقة الفن بالفكر والتفكير الإنساني. وتساءل: كيف لأثر أو عمل فني أن ينجز في علاقة بأعمال سابقة، وبالتالي أن يكون الإبداع انطلاقا من أعمال آخرين؟
كما تطرق رشدي إلى وضعية المشهد الفني المغربي، من جهة البحث الأكاديمي والنقد الفني، مستحضرا، في هذا الصدد، تجربته الشخصية في علاقة بهذا المشهد.
الشيكر: الذوق والتلقي
توقف محمد الشيكر، الناقد الفني وأستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، عند دلالات الفن المعاصر، راسما أشكال الحدود والعلاقة بين الحداثة والمعاصرة.
وبعد تمييزه بين مختلف الأنساق الجمالية، الكلاسيكية والحديثة والمعاصرة، وما يتميز به كل مفهوم، قال إننا لا يمكن أن نتحدث عن الفن إلا باعتباره أثرا.
وتوسع في الحديث عن الفن المغربي المعاصر، بداية من محمد القاسمي. وتحدث عن الجماليات، وقال إن مدار الحديث فيها يتمثل في الذوق والتلقي.
وعاد الشيكر للحديث عن علاقة المعاصرة بالحداثة في التجربة الفنية المغربية، فقال: "مررنا بسلاسة من الفن الحديث إلى المعاصر في المغرب". وأشار، في مقابل ذلك، إلى "النقاشات العنيفة" التي شهدتها فرنسا حول الفن المعاصر.
وخلص الشيكر إلى القول إن "سؤال الثقافة يهم المجتمع، ويحدد الهوية"، وأن "ثقافة مجتمع ما هي ما يشكل ميسمه وهويته وخصوصيته".
الشاعر وثنائية المحلي والكوني
خلال الجلسة الثانية، السبت، انطلق الفنان التشكيلي حسن الشاعر، من أسئلة ذاتية في مواجهة تحويل المادة إلى إبداع، متوقفا عند سؤال الهوية وانعكاسها على اختياراته الفنية، والمفارقة الموجودة بين المحلي والكوني، من زاوية خصوصيات الفنان والخلفية التشكيلية الغربية وكذا المواد غربية الصنع الموظفة في العملية الإبداعية، علاوة على سؤال أنه لكي تكون معاصرا يتعين عليك أن تأخذ باللغة البصرية للآخر.
واستعاد الشاعر مرحلة تكوينه في علاقة بسؤال الكيفية التي يمكن أن يكون عليها الفنان المغربي المعاصر في علاقة بتاريخه وثقافته.
العراقي ..الفن باعتباره محركا اجتماعيا
قدمت عزيزة العراقي، منظمة معارض ومديرة رواق بطنجة، تصورها الخاص للعمل التشكيلي من زاوية التدبير على مستوى تنظيم المعارض وإطلاق المشاريع الفنية. كما قدمت، في معرض مداخلتها، معاينتها بخصوص معاناة الجيل الجديد من الفنانين، والمشاكل والصعوبات التي تواجههم، طارحة سؤال إن كان الأمر يتعلق بمشكل تكوين أم مشكل ذاتي يتعلق بنقص ثقافي واستعجال في بناء مسار فني وفرض الحضور والذات.
وختمت العراقي بالتشديد على ضرورة أن يكون الفن محركا اجتماعيا وثقافيا وليس اقتصاديا فقط.
الشيخ ونظرة الآخر
انطلق الناقد الفني عبد الله الشيخ، من سؤال قدرة الفنان على الإقناع المعنوي، متوقفا عند معضلة المصالحة بين الأجيال، وهم الوصاية الذي يمارسه البعض، بشكل جعل الهامش مصيرا للكثير من الفنانين. وقال إنه يخيل إلينا أحيانا أننا أمام أرض خلاء، فيما يقول الواقع إن هناك تراكمات تحققت. واستحضر، في هذا الصدد، الفنانين المستشرقين، الذين قال إنهم سوقوا صورة مغرب جميل وملهم.
ورأى الشيخ أن الحديث عن الفن المغربي المعاصر لا يستلزم لغة الإقصاء. وقال إن الفن هو دائما معاصر، وأن الإشكال يبقى في المقاربة والتلقي.
كما تحدث الشيخ عن خلل وظيفي، داعيا إلى عدم الاحتكام إلى نظرة الآخر، لكي يقول عن فننا إنه معاصر أو لا. وختم بالقول إن المشكل ليس في الإبداع الفني، بل في التداول، وبالتالي ضرورة عدم تحميل المبدع ما لا يطاق.
وهبون والفنان النموذج
من جهته، تطرق الفنان التشكيلي وأستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، يوسف وهبون، في معرض كلمته، إلى ذاكرة الغرب الفنية، مستعرضا نماذج من فنانين غربيين تفاوتت علاقتهم مع الأدب والمعرفة بتاريخ الفن وتراكماته ومرافقته بخطاب.
وتوقف وهبون أيضا عند الواقع المغربي، من زاوية المؤسسة الثقافية والفنان النموذج، مقتربا بشكل "حار" من سؤال الندوة، حسب توصيف أفاية، مسير الجلسة.
جانب من الجلسة الثانية للندوة
وانتقد وهبون غياب اهتمام المؤسسة الثقافية من زاوية طريقة اشتغال عدد من الأروقة على مستوى الترويج والتقديم لأعمال الفنانين العارضين.
وبخصوص الفنان النموذج، رسم وهبون ثلاثة بورتريهات، لكل من ماحي بينبين، الذي قال عنه إنه الروائي الذي لا يكتب عن رواياته، والفنان التشكيلي الذي لا يكتب أو يخوض في أعماله الفنية. كما تحدث عن الفنان منير الفاطمي، وعن الراحل محمد القاسمي الذي قال عنه إنه "ظلمي (من نجوم كرة القدم المغربية)" الفن التشكيلي المغربي.


