إيلاف من بيروت: في مشهد يتناقض مع دمار الحرب المحيطة، ما إن يتبدد الدخان الكثيف الناجم عن القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، حتى تقلع طائرات شركة طيران الشرق الأوسط من مدرج مطار بيروت الدولي الذي لم يغلق أبوابه يوماً واحداً منذ اندلاع المواجهات. ورغم وقوع المطار على التخوم المباشرة للمناطق المستهدفة، يعتمد استمرار تشغيله على تقييم دقيق للمخاطر يستند إلى معلومات حيوية تنقلها الحكومة اللبنانية، والتي تأتي بشكل أساسي عبر القنوات الدبلوماسية وتحديداً سفارة الولايات المتحدة الأميركية، لضمان سلامة المدرج والطريق الرئيسية المؤدية إليه، بحسب ما يؤكده لوكالة الصحافة الفرنسية رئيس الهيئة العامة للطيران المدني محمد عزيز. وقد تجلت هذه الضمانات بوضوح حين استمرت حركة الهبوط والإقلاع رغم التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة بإخلاء أحياء شعبية متاخمة للمطار ومحيطه.
ورغم هذا الصمود التشغيلي، فإن واقع الحال يعكس تراجعاً حاداً في الحركة الجوية التي لا تتجاوز حالياً عتبة 40 بالمئة من معدلها الطبيعي لمثل هذا الموسم. فقد علقت معظم شركات الطيران الأجنبية رحلاتها بالكامل، لتنفرد شركة طيران الشرق الأوسط الوطنية بتسيير الرحلات وبوتيرة مخفضة جداً، حيث تراجعت رحلاتها إلى وجهات رئيسية مثل تركيا من إحدى عشرة رحلة إلى ثلاث رحلات يومياً. وينعكس هذا التراجع على المشهد داخل أروقة المطار، حيث تغيب طوابير الازدحام المعتادة في صالات المغادرة، وينتظر عمال نقل الأمتعة أمام صالات الوصول وسط انتشار أمني كثيف للجيش اللبناني لتأمين المسافرين القلائل الذين يتحدون الخوف، كحال المغتربين الذين ينتظرون رحلات الإجلاء غير آبهين بأصوات الانفجارات القريبة.

مطار بيروت الدولي في العاشر من نيسان (أبريل) 2026
وعلى الصعيد التقني والأمني في الأجواء، تتشارك الطائرات التجارية المجال الجوي مع الطائرات العسكرية الإسرائيلية والمسيّرات، ولكن دون تسجيل حوادث بفضل هندسة جوية دقيقة تعتمد على ممرات مسارات جوية منفصلة كلياً. وتعمل أجهزة الإرسال والاستقبال في الطائرات المدنية اللبنانية بشكل مستمر مما يجعلها واضحة تماماً على شاشات الرادار الإسرائيلية، في حين تحلق الطائرات الحربية على ارتفاعات أعلى بكثير. ويلعب الجانب الأميركي دور الوسيط المحوري في تنظيم هذه الحركة الملاحية المعقدة لتفادي أي احتكاك، وهو ما جعل تأخير الهبوط يقتصر على حالات نادرة جداً فرضتها الأنشطة العسكرية المكثفة، بفضل العمل المتواصل للسلطات اللبنانية والبعثات الدبلوماسية.

إحدى طائرات الأسطول التجاري اللبناني تقلع من أحد مدارج مطار بيروت الدولي في العاشر من نيسان (أبريل) 2026
وبنظرة تتجاوز الأزمة الحالية، تؤكد الإدارة التنفيذية للعمليات في المطار على لسان مديرها جلال حيدر أن المطار ومحيطه ومجاله الجوي آمن تماماً. ولا تقتصر الرؤية على إدارة الأزمة الحالية، بل تمتد للتحضير لمرحلة ما بعد الحرب، حيث انطلقت بالفعل أعمال تطوير استباقية في مباني الركاب تهدف إلى رفع قدرة المطار الاستيعابية لتمكينه من استقبال نحو 1.3 مليون مسافر إضافي خلال عام 2026، في رسالة تحدٍ واضحة تعكس الإصرار اللبناني على إبقاء البلاد متصلة بالعالم الخارجي مهما بلغت قسوة الظروف.


