تُظهر لنا أشكالُ الصراعات على المياه في الشرق الأوسط نمطًا جديدًا من توظيف هذه المنازعات حول الأنهار العابرة للحدود مثل نهر النيل ونهري دجلة والفرات ونهر الأردن، واستخدامها كأدوات ضغطٍ سياسية للحصول على مكاسب اقتصادية أو مواقف سياسية معيّنة.
إنَّ قيام دول المنبع مثل إثيوبيا وتركيا وإيران بتشييد سدودٍ ومشاريع على تلك الأنهار من دون التنسيق والتعاون والاتفاق مع دول المصبّ يُعطي للمشكلة بُعدًا خطيرًا يُسهم في خلق التوتّرات والتهديدات والنزاعات العسكرية.
إنَّ استعمال المياه كسلاح حرب وممارسة ضغوط سياسية واقتصادية يجعل المياه تتحوّل من هبةٍ سماوية إلى ميدانٍ للتنازع والصراع المستمر بين الدول المتشاركة في تلك الأنهار.
إنَّ تداعيات التأثير المناخي وسوء الإدارة وازدياد النمو السكاني وتضارب المصالح بين دول المنبع والمصبّ، ممّا ينتج عنه انعدام المساواة والعدالة في التوزيع.
وكمثالٍ حيّ على أنواع النزاعات، أو قل الصراعات حاليًّا، حول الأحواض النهرية العابرة، نهر النيل والخلاف الحاد بين دولتي المصبّ السودان ومصر من جانب، ومن جانبٍ آخر إثيوبيا بعد بناء سدّ النهضة من دون التنسيق مع مصر والسودان، وكذلك الخلاف بين تركيا وكلٍّ من سوريا والعراق حول السدود التركية العديدة التي أُقيمت على نهر الفرات وأسهمت في تقليل التدفقات المائية الواردة لبلدي المصبّ، ممّا أثّر ذلك في السنوات الأخيرة على المساحات الزراعية والنقص الغذائي وجفاف الأهوار في جنوب العراق.
كما أن هناك نزاعًا آخر على حصص نهر الأردن بين كلٍّ من الأردن وفلسطين وإسرائيل.
إن هذه النزاعات ينتج عنها مشكلات وأزمات داخلية تتعلّق بازدياد حجم الهجرة من الريف إلى المدينة ونزوح السكان وانتشار القلاقل، إضافةً إلى استنزاف موارد المياه الجوفية والسطحية.
حقيقةً لا تخفى أن بعض دول المنبع تحاول أن تستخدم المياه أدوات ضغطٍ سياسية لتحقيق النفوذ أو المنافع الاقتصادية، لكن من المفيد الإشارة إلى أن عوامل جانبية تُسهم في ارتفاع درجات الصراع، وعلى النحو التالي:
أولًا: عامل التغيّر المناخي، والذي يُقلّل من وفرة المياه ويجعل الصراع أكثر حدّة.
ثانيًا: سوء وتخلّف الإدارات المختصّة بإدارة الموارد المائية وانعدام الحوكمة والشفافية في التوزيع.
ثالثًا: إن ضغط النمو الديموغرافي وتزايد أعداد السكان يخلق مشكلات في الخطط والمشاريع ذات الصلة، وهنا يجب العمل في كلّ دولة على اتّباع سياسات ترشيد استخدام المياه في الحياة اليومية بصورة منظّمة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في نظم الريّ والسقي لكي تواكب تطوّر نظم الزراعة.
إنَّ الصراعات يمكن حلّها بالحوار وتبادل المصالح المشروعة وتقديم التنازلات وفقًا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار وتقاسم الضرر، فالدول النامية تحتاج إلى جعل هذه القضية مصدرًا للتفاهم واحترام حقوق الآخر والعدالة والإنصاف وفقًا للمعاهدات الدولية الناظمة للأنهار العابرة للحدود.
إن قضية المياه والصراع عليها تزداد حدّة مع ارتباطات أخرى لها بعوامل مناخية وجيوسياسية، وهي مسألة تتطلّب من الدول المتضرّرة اللجوء إلى القانون الدولي والمعاهدات الدولية ذات الصلة، والتأكيد على ضرورة إيجاد حلولٍ لها بالوسائل السلمية والتفاوض المباشر أو من خلال الوساطة أو المساعي الحميدة، بما يُجنّب المنطقة الحروب المسلّحة واستنزاف النزاعات للموارد وخلق مشكلات جديدة تُضاف إلى ما هو موجود في الإقليم، وأظنّ أن المشكلة تهمّ جميع الدول بلا استثناء، لأن الضرر يعمّ على الجميع، وبالتالي إن منطقتنا بحاجة إلى السلم والاستقرار والتنمية أكثر من أيّ وقتٍ مضى.


