: آخر تحديث
مبدعون في الذاكرة (13)

إنعام كجي ضوء دجلة الذي يكتب الحنين في باريس

3
3
3

 

وُلدت إنعام كجي عام 1952 في بغداد، حيث نشأت بين شوارعها العتيقة ومكتباتها التي كانت شاهدة على ولادة شغفها بالكلمة والحكاية. في بداية السبعينات، كانت غرفة صغيرة في قسم الصحافة بجامعة بغداد مسرحًا لانطلاقاتها الأولى، حيث بدأت كتابة سطورها الأولى، مزجت فيها بين حبر القلم ونبض المدينة، لتصوغ أنوثةً شرقيةً تتحدى الصمت وتكسر قيود التقاليد.

بغداد كانت رحمها الأول، والحرية الإعلامية هواءً تستنشقه، فصقلت بداياتها الصحفية والإذاعية التي أكسبتها قدرة فريدة على التقاط التفاصيل الدقيقة وتحويلها إلى سرديات حية تنبض بالواقع والخيال معًا.

عرفتها عن قرب حين كنا طلابًا في ربيع الشباب، هي في قسم الصحافة وأنا في قسم الاجتماع، بنايتان متجاورتان في كلية الآداب بجامعة بغداد، لكنهما كانتا قلبًا واحدًا ينبض بالحرف والحرية. كانت صداقتنا مع زملاء المهنة، مثل كاظم المقدادي ومها البياتي وصباح عبد الكريم، جزءًا من شبكة دعم وودّ نسجت خيوط أمل في زمن يزدحم بالأسئلة. زوجها الزميل سمير حنا، ومعنا القاص والصحفي زهير غانم، كانوا شركاء الحرف في مجلة “صوت الطلبة”، حيث أصبح الحرف صديقنا الأول، والحرية المعشوقة التي لا تخون.

في عام 1979، انتقلت إلى باريس لإكمال أطروحة الدكتوراه في جامعة السوربون، المدينة التي لم تكن منفىً بل فضاءً رحبًا للحرية. هناك عاشتها أربعة عقود، حاملةً روح بغداد في كل حرف، لتصوغ رواياتها جسورًا بين الشرق والغرب، بين الحنين والحرية، وبين الذاكرة والمنفى. خبرتها الصحفية أكسبتها عينًا متفحصة، ورؤيةً تجمع بين التوثيقي والإبداعي، فتتحول كل تفاصيل يومية إلى نصوص أدبية مشحونة بالحنين والعمق النفسي والفلسفي.

إنعام كجي ليست مجرد روائية، بل راوية حكايات الشعب العراقي والمهمش، تحمل القدرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى سرديات مشحونة بالحنين والمعنى. في أعمالها، الأنثى ليست جسدًا بل نهرًا يروي القلوب، وفنها يجعل الحنين شعورًا جماعيًا يتجاوز الفرد ليصل إلى كل من يتلمس الواقع والذاكرة معًا. لغتها تجمع بين الشعرية والواقعية، فتخلق نصوصًا حية، من أسواق بغداد المزدحمة إلى شوارع باريس الصامتة، ومن ذكريات الطفولة إلى صراعات المنفى، مع شخصيات مركبة تتصارع داخليًا وتواجه المجتمع بتناقضاتها، لتصبح كل شخصية مرآةً لتجربة الإنسان العراقي والعربي، حاملًا الحنين والغربة والأمل والألم الذي يتحول بفنها إلى شعور جماعي يلمس القلوب.

كانت كتابتها تتسم بالنعومة والرشاقة والسلاسة، تمتلك قدرة خاصة على أسر القارئ منذ السطور الأولى، وتجذب حتى أولئك الذين لا يميلون عادةً إلى القراءة. لغتها هادئة من دون ضعف، عميقة من غير تعقيد، وتنساب أفكارها بسلاسة تجعل النص قريبًا من الوجدان، فيتحول فعل القراءة معها إلى متعة خالصة لا تتطلب جهدًا، بل تفرض حضورها بهدوء وثقة.

تتميز أعمالها مثل “سواقي القلوب” (2005)، و“الحفيدة الأميركية” (2008)، و“طشاري” (2013)، و“النبيذة” (2019) بقدرتها على استكشاف الإنسان العراقي وسط تقلبات التاريخ والتحولات الكبرى. في “سواقي القلوب”، تقدم رؤية شاعرية للحياة اليومية قبل الانهيارات الكبرى، حيث تصنع من التفاصيل الصغيرة مرايا لروح المجتمع العراقي.

أما “الحفيدة الأميركية”، فتستكشف الصراع بين الهوية العراقية والاغتراب الغربي، بينما “طشاري” رحلة عبر الزمن والمكان، مستحضرةً الذاكرة الجماعية للعراقيين من خلال سرد قصص عائلية متشابكة تتخللها الحروب والمنفى. وفي “النبيذة”، تعود إلى قلب بغداد لتروي قصة امرأة تحمل أحلامها وسط الخراب، مستخدمةً لغة غنية بالصور البصرية والعاطفية تجعل من النص لوحةً حيةً نابضةً بالحياة والحنين.

في “لورنا، سنواتها مع جواد سليم”، تتناول إنعام السيرة بطريقة فنية، لتكشف عن تفاصيل حياة النحات العراقي الرائد جواد سليم، صانع “نصب الحرية”، مستعرضةً لحظاته الخاصة، ضعفه، هواياته، وحتى جنونه، لتصبح الرواية مرآةً للوطن المثخن بالحروب، وجسرًا بين الفن والذاكرة.

جوائزها وإنجازاتها لم تكن مجرد تكريم، بل اعترافًا عالميًا بصوتها الذي تجاوز الحدود، من وصولها إلى قوائم البوكر الدولية، إلى جوائز لاغاردير وعويس 2025، لتؤكد أن الكلمة حين تُكتب بصدق تصبح جواز سفر نحو العالمية، وأن الفن يمكن أن يكون رافعةً للهوية والثقافة، مهما بعدت المسافات.

إبداع إنعام يكمن في قدرتها على نسج الألم والحنين في نصوص نابضة بالحياة، تأخذ القارئ في رحلة بين طبقات التاريخ وعمق النفس البشرية. أعمالها ليست مجرد تسجيل للواقع، بل إعادة تشكيل له، حيث يلتقي الحس الصحفي الدقيق بالخيال الأدبي الخصب، فتتحول التفاصيل اليومية إلى لوحات سردية غنية بالعاطفة والدلالة، تجعل من كل قراءة تجربةً فريدةً ومؤثرة.

وتختتم إنعام كجي حكايتها مع الحياة والثقافة، حيث تختصر فيه فلسفة حياتها، وارتباطها الدائم بالكلمة، وبالحياة، وبالوطن الذي لم يغادر قلبها يومًا، مؤكدةً عشقها العميق للصحافة، فتستحضر مشهدًا من مسلسل مصري يظهر فيه عبد الرحمن أبو زهرة في دور بائع شاي في مؤسسة صحفية كبيرة، وعندما يقررون الاستغناء عنه بسبب تقدمه في السن، يصيح فيهم: “دي الصحافة في دمي!”.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.