: آخر تحديث

القفز علي الحقائق والمهنية، هل أصبح سمة التسابق للتغطية الإعلامية؟

9
9
7
مواضيع ذات صلة

منذ أسبوعين تحديداً ، تعيش آلة الأخبار العالمية حالة من الإضطراب التى لا تتكرر إلا نادراً .. وأقصد بذلك حكاية الصحفي السعودي جمال خاشقجي ذات الوجهين المتضادين .. الوجه الذي تروج له وسائل الإعلام التركية بالإعتماد علي مصدر إخباري واحد يتمثل فيمن تزعم أنها خطيبته التركية .. و الوجه الذي تمثله السلطات السعودية في أعلي قممها الذي ينفي كل ما قيل حول قيام الرياض بإغتياله أو علي الأقل اخفاؤه ، ويطالب بالتريث حتى تنتهي التحقيقات التى ستٌجريها الجهات المختصة في كلا البلدين السعودية وتركيا .. 

منذ الثالث من اكتوبر الحالي - اليوم التالي لذهاب خاشقجي إلي قنصلية بلاده في إسطنبول لإستخراج أوراق رسمية تٌسهل له إجراءات زواجه الثاني .. تسابقت وسائل الإعلام التركية علي فرض رؤيتها التي ترتكز علي أنه لم يخرج ومن ثم إختطف من داخلها إلي مكان ما ، ربما يكون بلده الأصلي .. أو أنه قُتل في داخلها ثم دفن في مكان ما داخل حديقة مقر القنصلية السعودية او في حديقة المبني الذي يستخدم كسكن للقنصل العام !! .. 

التسابق الإعلامي التركي الذي سعي منذ اللحظة الأولي إلي الخروج بتنبؤات لا عقلانية لها لا تتصف بالمهنية ، اعتماداً في المقام الأول علي ما دأبت الخطيبة خديجة علي التصريح به لوسائله المتعددة .. وفي المقام الثاني علي إحتكاره للأنباء مما جعله يلجأ علي مدار الساعة إلي دراما خلق المفاجأة لتعزيز وجهة نظره وجذب وسائل الأعلام الأجنبية في نفس الوقت .. 

علي سبيل المثال .. نقلت وكالة رويتز للأنباء عن صحيفة واشنطن بوست يوم 6 اكتوبر ، والتي نقلت بدورها عن مصادر تركية مُجهلة أن خاشقحي قتل داخل القنصلية " حسب إعتقادهم " .. وقال مصدران مٌجهلان أيضا لوكالة الأنباء الفرنسية في نفس اليوم أن الشرطة التركية " تعتقد أنه قد قتل داخل القنصلية " .. 

كل ذلك دون التوصل إلي إجابة قاطعة لماذا هو في حاجة إلي ألأوراق الثبوتيه هذه لكي تسهل له عقد زواجه الثاني من خطيبته التى لم يسمع بها احد قبل الثاني من اكتوبر ، إلا ما قيل حول إصرار والد خديجة علي ضرورة الحصول عليها ؟؟ .. ولماذا لم يستخرجها من القنصلية العامة في واشنطن التى إتضح أنه أقام بها أكثر مما أقام في اسطنبول –اقام بها خمسة ايام قبل الثاني من اكتوبر 2018 - منذ خرج في سبتمبر 2017 طَوعياً من السعودية إلي الولايات المتحدة !! خاصة وأنه كان علي علاقة طيبة بالسفير السعودي هناك ؟؟ .. 

إلي جانب ذلك نتساءل مع عدد كبير من المتابعون للحدث .. لماذا كان متوتراً ومضطرباً في ظهر ذلك اليوم وهو متجه إلي مقر القنصلية ، كما قالت خطيبته ؟؟ .. لماذا لم يترك تليفونه المحمول الثاني معها يوم 30 سبتمبر الماضي ، كما فعل في المرة الثانية ؟؟ .. ولماذا أوصاها في حالة عدم خروجه من مبني مقر القنصلية ان تتصل بمستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي ، لإبلاغه عن واقعة عدم خروجه من المبني ، بدلاً من أن تُبلغها إلي وسائل الإعلام التركية ؟؟ .. 

عائلة خاشقحي في السعودية لا تدري شيئا عن إعتزامه الزواج ممن تقول انها خطيبته التركية ، وترفض في نفس الوقت تسييس قضيته كما يفعل الإعلام التركي وبعض كبار مسئوليه .. تقول أنه منذ ترك بلده إلي منفاه الإختياري في أمريكا لم يتعرض لمسائلة او إستجواب أو تعطيل لأي مصلحة كان يبغي الحصول عليها من الجهات الرسمية السعودية العاملة بالخارج .. 

هذا التسييس إنتقل من مستوي الإعلام التركي إلي الرئيس رجب طيب أردوجان حيث تحدي – يوم 9 اكتوبر – السلطات السعودية بأن تقدم للعالم دليل يثبت خروج خاشقحي من مقر قنصليتها في إسطنبول !! .. وكذا إلي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي عبر عن قلقه إزاء ما وصفه بـ " الإختفاء القسري للصحفي السعودي .. إلي جانب تبني صحف بريطانية لما رواه الإعلام التركي حول السيارات المموهه التي تحمل أرقام دبلوماسية تابعة للقنصلية السعودية والتى خرجت تباعاً بعد مرور أقل من خمس ساعات من مقر القنصلية ، في أعقاب دخول من الرجل إلي مبناها .. 

هذا التسييس لم يقف عند حالته التركية ، ولكنه ترك جانباً مما جاء علي لسان الرئيس الأمريكي الذي أبدي قلقه من المصير الذي آل إليه الصحفي المختفي وعبر عن أمله أن تتم تسوية المسالة في أقرب وقت ممكن ، ووصف ما يصل إلي سمعه من قصص بانها لا يعجبه .. وترسخ مفعوله – اي هذا التسييس - لدي بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكى من ديموقراطيين وجمهوريين الذين تباروا فيما بينهم لكشف ما وصفوه بـ " ضروة إتخاذ موقف حازم من كبار مسئولي النظام الحاكم في السعودية وفي مقدمتهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان " ..

نأتي لفرقة الإغتيال التى التى قال الإعلام التركي أن أفرادها قدموا علي متن طائرتين تابعتين " لشركة طيران خاصة مقرها الرياض " وصلتا إلي إسطنبول بعد ساعات معدودة من إختفاء خاشقحي عددهم 15 فرد ، من بينهم طبيب شرعي ، لم تتعرف عليهما سوي صحيفتين تركييتن " صباح و حرييت " حيث أسهبت كل منها في وصف من كانوا علي متنها وحددت دور كل منهم في عملية الإغتيال وتقطيع الأوصال وتعبئتها في حقائق سوداء كبيرة ، تم شراؤها من سوق تركية !! .. 

هذا الدور الإعلامي الذي لا يٌساند حق القارئ في المعرفة الموثقة علي حساب نشر الوقائع المكذوبة دون تَحري المصداقية والأصول المهنية ، تبني نظرية " اللي تغلب به إلعبه " في مسيرته لتغطية الخبر .. ومن ثم تصاعد سُعار النشر والتغطية دون الإشارة إلي مصدر حقيقي يٌعتد به ، بل كلها سارت في طريق المصدر الذي رفض ذكر أسمه مما يفتح الباب لتلفيق القصص والتلاعب بالأنباء ونشر الشائعات وإلصاق التهم جزافاً قبل بدء التحقيقات الرسمية .. 

نقول:

إذا ساد هذا النمط من متابعة الحدث وتقصي تغطيتة الإعلامية بعيداً عن طبيعته وأبعاده الجنائية والأمنية وإشكالية طبيعة العلاقات السياسية بين الدول ، نتوقع أن يتحول الإعلام علي يد من ينتهجون هذا النهج ، إلي حالة هذيان صانعة للأوهام ليس فيها من الخدمة الإعلامية إلا العنوان فقط .. وسينسي هؤلاء مهام ووسائل كشف الحقائق التى هي من صلب مهمة الإعلام ويساهموا بشكل إجرامي في ممارسة أساليب الضغط والإبتزاز السياسي التى من مسؤليتهم في المقام الأول أن يقفوا أمامها بكل قوة وإيمان !! حتى لا يتحولوا إلي مدافعين أشاوس عن الخلل الذي أصبح عنوان بارزا لأكثر من نظام سياسي داخل منطقة الشرق الأوسط .. 

[email protected]


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي