: آخر تحديث

سماسرة الهيكل الرقمي: كيف يُباع الشرق في سوق الانتخابات الأميركية؟

3
3
5

في الوقت الذي يندفع فيه العالم نحو عصر الحداثة الفائقة، تبدو السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقتنا وكأنها ارتدّت فجأة إلى منطق العصور الوسطى، لكن بغلاف "رقمي" حديث. لم تعد الدبلوماسية في واشنطن فنَّ الممكن أو رعاية المصالح المشتركة، بل تحوّلت إلى "استعراض أيديولوجي" يهدف إلى جمع الإعجابات وتملّق مراكز النفوذ، في سباق يدهس في طريقه حقوق ملايين البشر وتطلّعاتهم في العيش بكرامة.

صكوك الغفران الرقمية: غراهام وهاكابي نموذجاً
حين نتابع تصريحات السيناتور ليندسي غراهام المتذبذبة، أو نقرأ في فكر السفير مايك هاكابي، نجد أننا لسنا أمام مواقف سياسية قابلة للنقاش، بل أمام "تطرّف لاهوتي" مُغلَّف ببروتوكولات رسمية. هؤلاء الساسة، ومعهم أصوات صاخبة مثل توم كوتون وتيد كروز، يعتاشون سياسياً على تبنّي سرديات إقصائية تمنح "صكوكاً تمليكية" لجماعة على حساب أخرى، بناءً على قراءات انتقائية لنصوص قديمة.

هاكابي، على سبيل المثال، يتعامل مع الجغرافيا الفلسطينية ليس كأرض مأهولة بشعب له تاريخ وجذور، بل كـ "محتوى رقمي" (Content) يُقدَّم للقاعدة الإنجيلية في أميركا لضمان الولاء الانتخابي. إنه يحوّل الحقوق الإنسانية إلى "عقارات سماوية" يديرها ساسة في واشنطن، متجاهلاً أن مفهوم العدل الكوني لا يمكن أن يقبل بتشريد إنسان لحساب آخر بناءً على "تفضيل عرقي" أو "اختيار ديني" مسيّس.

سطوة الخوارزمية وتسطيح الوعي
هنا يبرز الدور الخطير لمنصّات التواصل الاجتماعي؛ حيث تُختزل القضايا الوجودية المعقّدة لتلائم ذائقة جمهور يبحث عن الإثارة السريعة. المظالم التاريخية وعمليات التدمير الممنهجة للمقدّرات تُساق عبر خوارزميات منحازة، تُعلي من شأن الرواية المهيمنة وتُغيّب صوت المظلوم.

لقد أدرك "صقور واشنطن" أن "الوسم" (Hashtag) في كثير من الأحيان أقوى من القانون الدولي، فباتوا يبيعون مواقفهم في سوق المزايدات الرقمية. هذا التسطيح المتعمَّد يمنع المجتمع الدولي من رؤية العمق المأساوي لما يجري، ويحوّل معاناة الشعوب إلى مادة للتفاعل والجدل بدلاً من كونها قضايا حقوقية تستوجب الإنصاف.

ازدواجية المعايير وسلاح "الترهيب الفكري"
لقد نجحت الماكنة الإعلامية المساندة لهذا التيار في تحويل بعض المصطلحات الحقوقية إلى "هراوات" تُشهر في وجه كل من يتساءل عن منطق "التفوّق العرقي". تبرز هنا ازدواجية صارخة:

- حين يتحدّث اليمين المتطرّف عن "الحق التاريخي المطلق" في تملّك الأرض وإقصاء الآخر، يُحتفى به كخطاب إيماني.

- بينما حين يطالب أصحاب الأرض بحقهم الطبيعي في البقاء والحرية، يُصنَّف خطابهم فوراً في خانة التحريض والإرهاب والعداء.

هذه "العنصرية البنيوية" ترى أن دماء فئة معينة لها قداسة سياسية خاصة، بينما حقوق الآخرين وممتلكاتهم مجرّد تفاصيل فنية يمكن المقايضة عليها في "بازار" الانتخابات الأميركية.

احتكار السردية وفائض الظلم
يعاني صانع القرار في واشنطن من "فقر معرفي" وسطحية مرعبة في فهم تعقيدات منطقتنا، حيث يستقي رؤيته من "فلتر" أُحادي الجانب يُصوّر الصراع كمعركة بين "التحضّر" و"الفوضى". إنهم يتجاهلون حقيقة فطرية: أن البشر متساوون في حقهم في فلح الأرض، وبناء البيوت، وحماية أبنائهم.

إنَّ الجرح النازف في الشرق ليس نتاج نقص في الموارد، بل هو نتاج "فائض في الظلم" المحمي بغطاء دولي. إن مواجهة هذا النهج السياسي القائم على "اللايكات" والادعاءات التوراتية المسيّسة ليست مجرّد موقف سياسي، بل هي ضرورة أخلاقية لاستعادة كرامة الإنسان. فالله الذي خلق البشر شعوباً وقبائل لا يمكن أن يبارك تدمير حياة الإنسان، وما تصريحات هؤلاء الساسة إلا صدى لغرور القوة، وليست انعكاساً لمبادئ الحق والعدل.

وأمام هذا المشهد المتفجّر، بات من المحتم على المؤسسة الرسمية في الولايات المتحدة أن توضّح محدّدات سياستها في المنطقة بصرامة؛ فالصمت تجاه تصريحات أمثال هاكابي وغراهام لم يعد مجرّد "حرية تعبير" لساسة يبحثون عن الشعبية، بل أصبح يُفسَّر كغطاء سياسي لممارسات تدميرية. إن ترك الساحة لهذه السرديات "اللاهوتية" الغارقة في الشعبوية الرقمية لن يؤدي إلا إلى تعقيد الوضع الميداني، وزيادة حدّة الاستقطاب، ونسف ما تبقّى من جسور الثقة مع شعوب المنطقة. إن الانجرار خلف "اللايكات" الانتخابية قد يمنح هؤلاء الساسة مقاعد في الكونغرس، لكنه يضع الاستقرار الإقليمي برمته على فوهة بركان، ويورّط واشنطن في صراعات صفرية لا تخدم سوى خطاب التطرّف والكراهية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.