: آخر تحديث

أسوأ 7 ساعات في تاريخ تركيا

7
6
8
مواضيع ذات صلة

بملامح يكسوها الغرور، وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ذي الخلفية الإسلامية «الإخوانية»، أمام قبر مؤسس تركيا العلمانية كمال أتاتورك، مجددًا العهد له، باستعادة «التركة العثمانية»، بحلول عام 2023.

جاء العهد الذي قطعه الرئيس التركي، على نفسه، يوم الخميس الماضي، 23 يوليو الجاري، في ضريح أتاتورك، وبحضور أعضاء مجلس الشورى العسكري الأعلى، مكتوبًا بخط يديه في سجل تشريفات الضريح: «القائد أتاتورك، نحن أعضاء مجلس الشورى العسكري الأعلى، وبمناسبة اجتماع العام 2020 نقف في حضرتكم، ونحن مستمرون في العمل للوصول إلى أهداف عام 2023 لتركيا التي أسستموها وأوكلتموها لنا».

وأضاف الرجل الذي يدير الدولة بطريقة السلطنة العثمانية البائدة: «الإنجازات التاريخية التي أحرزناها في العراق وسوريا وليبيا وشرق المتوسط، ومكافحة الإرهاب، تظهر قوة بلادنا ومهارات جيشنا".

واختتم أردوغان رسالته إلى أتاتورك قائلًا: «أتمنى أن يكون اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى خيرا لبلدنا وشعبنا وللقوات المسلحة التركية، لتنعم روحك بالسلام».

وبنظرة بسيطة في كلمات أردوغان القليلة سوف نكتشف فيها ملامح المشروع التوسعي التركي في المنطقة العربية، والذي بدأه باحتلال أجزاء من العراق وسوريا وليبيا.

ولكن، لماذا عام 2023 تحديدًا، وليس العام المقبل، أو الذي يليه؟

لهذا العام (2023) تحديدًا ذكرى مؤلمة للدولة العثمانية، التي يتخيل أردوغان أن بإمكانه إعادة إحيائها على أنقاض الدول العربية. ففي هذا العام سوف تكون قد مرت مائة عام على معاهدة "لوزان الثانية" عام 1923، التي أسقطت بموجبها الدولة العثمانية، بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وتم تقسيم مستعمراتها أو ما كان يعرف وقتها بـ«تركة الرجل المريض"، وانتزعت منها أجزاء من ليبيا وسوريا ولبنان والعراق منه، لصالح دول الحلفاء، لاسيما بريطانيا وفرنسا.

وهذا ما يفسر إصرار أردوغان على القول بوجود «إرث عثماني» في العراق وسوريا وليبيا تحديدًا، فهو يرى أن محافظة الموصل العراقية جزء أصيل من أراضي تركيا، ويتوهم أنه بحلول العام 2023، بعد مرور مائة عام على معاهدة «لوزان الثانية» وانتهائها، يمكنه استرداد ما يقول إنها "أملاك عثمانية"، ونسي أن هذه الأملاك لم تكن إلا أراض مستعمرة بالقوة، وأنها أملاك دولة ذات سيادة، ولديها جيوش وطنية، وإن كانت في مرحلة وهن وضعف، فإن هذه المرحلة لن تدوم.

يعمل أردوغان جاهدًا على تحقيق حلم تركيا الكبرى، ومن أجل ذلك نشر قواته العسكرية في ما يعتبره «أملاكًا عثمانية». فالقوات التركية تتوغل عشرات الكيلومترات في الأراضي شمال العراق، وتسيطر على نحو مئات الكيلومترات من شمال سوريا. وها هو يسيطر على أجزاء واسعة من غرب ليبيا. وهذا ما يعتبره في رسالته إلى أتاتورك «الإنجازات التاريخية التي أحرزها في العراق وسوريا وليبيا».

تكشف الرسالة التي خطها أردوغان بيده في ضريح أتاتورك، أطماعه في الدول العربية بكل وضوح وبدون أدنى خجل أو دبلوماسية. وهناك مقطع فيديو يقول فيها بكل صراحة: «يوجد هناك الذين ينتظرون عودتنا منذ 100 عام».

 الغريب أنه بينما كان أردوغان يخط هذه الرسالة العهد بقلمه، كان رئيس حكومة ما يسمى بـ"الوفاق" فايز السراج، يزور العاصمة أنقرة، لتقديم بلاده على طبق من ذهب إلى تركيا. وللأسف فإن هذا الرجل الليبي لا يشبه الليبيين المناضلين، وليس له حظ من اسمه، فلا هو "فائز" ولا يمتلك في رأسه "سراجًا" ينير له طريقه ويهديه إلى سبيل الرشاد في أزمة بلاده.

ووفقًا لهذا الخيال السياسي الأردوغاني، فإن من حق أية دولة أن تطالب باستعادة مستعمراتها السابقة، فمن حق بريطانيا أن تستعيد مستعمراتها، وهي الدولة التي قيل عنها "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، فقد استعمرت الهند ودول جنوب شرق أسيا، ودولا في أسيا الوسطى وأفريقيا.

ووفقًا لهذا الافتراض يمكن لفرنسا أن تطالب أو تسعى إلى استعادة مستعمراتها أيضًا في أفريقيا، ومنها الجزائر والمغرب ومالي والكونغو، وسوريا ولبنان.

وإذا كان هذا المنطق صحيحًا وسويًا، فإن من حق مصر أن تستعيد الأراضي التي وطأها جنودها في القرن التاسع عشر في بلاد الشام والسودان والحجاز، وإثيوبيا، بل وأجزاء من دولة تركيا نفسها.

نعم، أجزاء من تركيا نفسها. فقد وصل الجيش المصري، بقيادة إبراهيم باشا، في عام 1832 إلى أبواب عاصمة الدولة العثمانية "الأستانة"، بعد أن هزم الجيش العثماني في معركة «قونيا»، وقتل نحو 3 آلاف جندي، وأسر نحو خمسة آلاف آخرين، على رأسهم قائد الجيش «رشيد باشا».

انتصر الجيش المصري على نظيره العثماني في معركة «قونيا» بتاريخ 21 ديسمبر 1832، واحتل أجزاء واسعة من الدولة العثمانية أو الأراضي التركية الحالية، منها قونيا وأورفا وعنتاب ومرعش وقيصرية، خلال سبع ساعات فقط، وأصبح على مقربة من عاصمة الدولة العثمانية «الأستانة».

وتسببت هذه الهزيمة الساحقة في وفاة السلطان العثماني «محمود الثاني» كمدًا وحسرة، بعد أن علم أن الجيش المصري على بعد نحو ثلاث أيام من قصره. وتولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم، واستغاث بالأوروبيين، لصد هجوم الجيش المصري، خوفًا من إسقاط إمبراطوريته.

ولولا رغبة الدول الأوروبية في الإبقاء على الدولة العثمانية «مريضة»، لدخل الجيش المصري إلى الأستانة. وأجبر الغرب محمد علي باشا على الانسحاب من المدن والأراضي العثمانية، مقابل الاعتراف بسيادته على مصر والجزيرة العربية والسودان وكريت والشام وفلسطين.

إذا كان أردوغان يتذكر معاهدة «لوزان الثانية» ويتحرق شوقًا إلى انتهاء مدتها في عام 2023، حتى يستعيد السيطرة على ليبيا وسوريا والموصل في العراق، فإن عليه أن يتذكر أيضًا معركة «قونيا» جيدًا، ويدرك أن الجيش المصري هزم الجيش العثماني في سبع ساعات فقط، واحتل أكثر من 5 مدن تركية.

وعليه أن يتذكر أيضًا أن الجيش المصري الحالي قادر على تكرار المشهد نفسه، لو حدثت مواجهة في ليبيا، وقد لا تنتهي المعركة فيها فقط، بل قد تصل المواجهة إلى حيث آخر شبر يقف عليه الجندي المصري.

 وهذا الكلام ليس من قبيل العنترية أو الحنجورية الفارغة، بل تدعمه لغة الأرقام العسكرية للجيش المصري، والخبرات في الحروب النظامية الحديثة. فقد هزم الجيش الإسرائيلي في 6 أكتوبر 1973، واستعاد سيناء، في 6 ساعات فقط.

ويخوض الجيش المصري حروبًا طويلة وشاقة منذ 2013 في الصحراء والجبال ضد التنظيمات الإرهابية، حتى هزمها وكسر شوكتها، برغم الدعم الخارجي السخي.

وتؤشر هذه الخبرات أن المواجهة مع الجيش المصري ليست سهلة، وأن الغلبة سوف تكون لمن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «اتخذوا منهم جندًا كثيفا، فإنهم في رباط إلى يوم القيامة»، لأنه لا يحاربون إلا نصرةً للحق، وليس من أجل السطو على أراضي وثروات الدول وهي في حالة وهن وضعف.

وإن غدًا لناظره قريب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي