: آخر تحديث

سؤال النهضة

27
20
23
مواضيع ذات صلة

اطلق عصر النهضة  على  فترة  زمنية  استمرت من القرن الرابع عشر الميلادي إلي القرن السابع عشر و كانت بدايتها  من إيطاليا ثم أخذت في الانتشار إلى بقية أرجاء أوروبا  تخللتها حركة ثقافية و فنية بالإضافة  الي التطور الصناعي. 

واكب هذا التغير تحول من مجتمع السكون الي مجتمع المخاطرة.. سمة عصر التغيرات الكبري حيث نحث المفكر الالماني اوريش بك مصطلح ؛ (مجتمع  المخاطرة).. الذي جاء بعد الثورة الصناعية في اوربا و التحول الي  الفردانية و نهاية عصر الاقطاع  الذي فصل الدين  عن الدولة.. طبعا  المقصود هنا هو الدين الكنسي  التي تحالفت مع الاقطاع  و استعبد الانسان.. كل هذا تجاوز  العقل الجمعي و نشأت الضاهرة  الفردانية.. 

هذا ببساطة هو حقيقة التغير  الذي حدث في اوربا  دخول عصر الصناعة و ثأتيت فكري لعهد النهضة و داخله مشروع  الحداثة... 

بسبب الظروف الطبيعية و الصيرورة  قادت الي تسلسل زمني للتغيير الطبيعي في اوربا   ... 

بالمقابل  كل محاولات التغير عندنا في الشرق  جاءت قصرية و فرضت  بالقوة و هنا المشكل...تحول في النمو الاقتصادي دون تنمية..مطالبة بالديمقراطية دون الدخول في العصر الصناعي.. مطالبة بالحرية دون التخلص من الابوية ... 

و لذلك تبدو الاشياء مثل إيحاء بالحركة بدلا من الحركة نفسها.... 

 و معظم  المشاريع تؤول للفشل لانها لم تحل المشكل البنيوي اصلا

  و لجأت لمعالجة  المشكل التشغيلي .. كمن يريد ان يغير  سائق دراجة ذات عجلات مربعة و ليست دائرية.. مهما غيرنا السائق لن تتحرك . 

فالنهظة   ( من وجهة نظري )  مرتبطة بالتنمية المستدامة..  و  الاستدامة شرطها الرئيس  هو القدرة على التعامل مع  المتغيرات ، كما ان المشروع الثقافي و توطين المعرفة عاملان أساسيان في مشروع النهظة مع النمو الاقتصادي.  

 غياب مشروع حداثة حقيقي يقوم على التغير  الواعي و ليس تغير الطفرة  كان هو المعضلة الحقيقة  عندنا  كشعوب عربية   .... 

كل مفكري الحداثة عندنا تقريبا نسفوا المشاريع القائمة..دون اعطاء بديل  لمشروع فكري يصمد امام النقد  و يحقق واقع يمكن الاستناد اليه و البناء عليه.  

 

عندما كتب الكاتب  الأمريكي من اصل ياباني فرانسيس فوكوياما  أستاذ العلوم السياسية و أحد أهم مفكرين المحافظين الجدد  كتابه نهاية التاريخ قامت الدنيا و لم تقعد لهذا الكتاب الجدلي  الذي اراد به الكاتب الامريكي الوصول الي نتيجة هي سيادة النموذج الامريكي للسياسة و الاقتصاد في العالم..

 لكني اري الموضوع من جهة اخري  هي أن الاقرب الي الحقيقة هي أن العالم يتجه الي  نهاية الجغرافيا و ليس  الي نهاية التاريخ.

فاليوم و خاصة في العالم الغربي من  امريكا و كندا  الي  الاتحاد الأوربي  الذي يجمع معظم  دول  قارة  أوربا لم يعد للجغرافيا معني.  فتجد من يولد في ستوكهولم  و ينتقل للعيش أو للتقاعد في اسبانيا أو اليونان...   لم يعد للشركات العابرة للقارات overseas  مقر رئيس فحيث جنة الضرائب هي أرضها. 

مفهوم ما بعد الدول post state  ترسخ..  فأنت تنام في قطار من روما حتي كوبنهاجن أو وارسو و لا يوقظ مضجعك شرطي جوازات  يبحث عن تأشيرة.

 ثورة الاتصالات قصة أخري تصب في صالح نظرية نهاية الجغرافيا فلم تعد تحتاج إلي مقر قار بل فقط عنوان الكتروني مجاني علي  أحد محركات الانترنت مثل Gmail... Yahoo. Hotmail و غيرها. 

كما أن تحويل الأموال و حجز الفنادق و التذاكر  أصبح متاح  عبر جهاز محمول ذكي في حجم كف اليد.

 كل ذلك نتائج ثورة العقل في مجال الاتصالات واكبت تطلعات البشر من حرية.. تماما مثل نتائج انتقال المجتمع من مجتمع  زراعي أقطاعي  الي مجتمع  صناعي إبان الثورة الفرنسية التي حررت الإنسان. اليوم الثورة العلمية الثانية التي قضت علي الجغرافيا و حدودها ليعيش العالم الحر في نهاية الجغرافيا. التي توحد المركز و تفتت الأطراف.. و لا عزاء للشعوب المتخلفة التي تعيش خارج التاريخ و الجغرافيا... 

جانب اخر انتهي مثل انتهاء الجغرافيا  و هو التقسيم  الطبقي الاجتماعي..  فعندما تحدث ماركس عن الوعي الطبقي كانت الشعوب تعيش في حالة تقسيم طبقيا أفقيا.. حيث العمال و اصحاب العمل و النبلاء ... 

كل ذلك تلاشي مع عصر جديد عصر حداثة أصبح فيه التقسيم عموديا و ليس افقيا  ( من وجهة نظري )  بمعني أن تجد طالبا في درجة الدكتوراة و هي أعلي درجة علمية يعمل نادلا في مطعم او حامل حقائب في  فندق  في مرحلة محددة ليستطيع  أن يدفع ثمن دراسته الجامعية و تخصصه الدقيق  في الطب أو الفيزياء أو  الاقتصاد أو القانون...

فلم يعد ممكنا تصنيف هذا العامل انه من طبقة البروليتاريا   المسحوقة و هو قريبا  سيصبح أهم  من صاحب العمل نفسه ، هذا الطالب لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يصنف  بأنه من طبقة العمال المصنفة  في عهد ماركس.. بل اصبح الطالب مالكا للسلطة من خلال المعرفة  كما قال المفكر البريطاني عالم الاجتناع آلفين توفلر في كتابه تحول السلطة  " المعرفة و العنف و المال مقومات السلطة الثلاتة ".. ( هذا الكتاب ترجمه للعربية الصديق  د. فتحي شتوان )  كما ان التقدم التقني و شبكات التواصل الاجتماعي خلقت  نوع من الاقتصاد  يسمي بالاقتصاد التشاركي... 

و هو مثل مشاركة مالك السيارة وقت فراغه في عمل يدر علي دخل .. بغض النظر ان كان صاحب السيارة متعلم ام لا..و هي تجربة شركة اويبر Uber  في امريكا و اوربا.. و حتي  شركةairbnb ايضا. 

كما اصبح في امكان العامل ان يمتلك  اسهم في الشركة التي يعمل بها  و لم يعد عاملا فقط بل عامل و شريك في نفس الوقت..  بل و كثيرا من المهن اصبحت تدار  بربوت و ليس عاملا..  كل هذه التغيرات جعلت علماء الاجتماع يصنفون  هذا العصر  بعصر الحداثة المتأخرة  علي رأي عالم  الاجتماع البريطاني  أنطوني جودنز...  عصر الحداثة المتأخرة ربط الإنسان بالتقنية  التي حررته  من سلطة  الإقطاع و لاحقا سلطة الدولة و أصبح يعيش الإنسان في اللا مكان... 

فلم يعد المكان ذا قيمة  بعد نهاية التاريخ و نهاية الجغرافيا و نهاية التقسيم الطبقي   .. كل هذه المتغيرات تتطلب تعامل مستمر  و مستدام 

مع المتغيرات السريعة و يقود لتحقيق تنمية مستدامة تصل الي  مشروع نهظة.  


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي