أصيبت الأستاذة بالدهشة، فبحثت في سيرته، لتكتشف أن بيتون تخرّج بمرتبة الشرف العالية في جامعة هارفارد عام 2016، وحصل، في الفترة نفسها، على الماجستير في الرياضيات التطبيقية، ثم واصل مسيرته الأكاديمية ليحصل على ماجستير في إدارة الأعمال من «ستانفورد»، ثم شهادة في القانون من «ييل»، ثم درجة الدكتوراة في السياسة العامة من اكسفورد، وكل ذلك قبل بلوغه الـ28!
وبالجمع بين الحضور الشخصي والدراسة عن بُعد، حصل على شهادات أخرى من جامعة بنسلفانيا في مجال التعليم، ومن «ستانفورد» في تكنولوجيا التعليم، ومن برينستون في المالية، ومن «كورنيل» في سياسات واقتصادات الرعاية الصحية، ومن دارتموث في علم التنفيذ، ومن «كينغز كوليدج» بلندن في دراسات الحرب، وحتى من جامعة «تسينغهوا» في بكين.
ولم يتوقف، بل درس عالم الأعمال، وأسس شركة كريمسون لاستشارات التعليم، تقُدّر قيمتها اليوم بأكثر من 600 مليون دولار.
يعد بيتون، الذي يجسّد الطموح الجامح في هيئة بشرية، نموذجاً بارزاً لفئة نادرة من الناس، الذين لا يتوقفون عن الدراسة، وإذا استمر في حصده للشهادات العليا بهذه الوتيرة، فسيتجاوز بنجامين بولجر، الذي جمع 16 شهادة بحلول سن الخمسين، بل وقد يتفوّق حتى على مايكل نيكولسون، طالب العلم الدائم، الذي تجاوز الثمانين، ويحمل أكثر من 30 شهادة.
كيف يمكن أن يكون هذا حقيقياً؟ هل هو تعليم أم فن؟ أم حيلة تسويقية متقنة؟ يرد بيتون بأن الحقيقة أكثر بساطة، وأنه سعى للشهادات الخمس الأولى لاكتساب مهارات محددة، أما بعد ذلك فقد كان الأمر مجرّد شغف وفضول معرفي. لكن كيف استطاع من لم يتجاوز الـ31 عاماً جمع 12 شهادة جامعية عليا من جامعات تحتل قمة التصنيف العالمي، مثل هارفارد، ييل، ستانفورد، أكسفورد، برينستون، وغيرها، ولا يزال يعمل لنيل غيرها من جامعة براون؟
يرى البعض أن العامل الأول البدء مبكراً، والقدرة على الإنجاز السريع، وأن يكون هناك شغف لتلقي العلم، وحب استطلاع كبير، ومحاولة الجمع بين العمل والدراسة في الوقت نفسه، وضرورة الاستعانة بالبرامج الدراسية المكثفة المصممة لرجال الأعمال، وأن تكون له تنشئة أكاديمية استثنائية منذ الطفولة. فقد أدخلته والدته، وهو في الخامسة، إلى أكاديمية تقوية تضم حوالي 200 طالب صيني، وكان الوحيد غير الصيني بينهم.
وفي الكويت كان المرحوم عبدالعزيز علي العندليب (1943–2004) مثالاً، فقد تلقى تعليمه في الجعفرية، ثم المباركية، وبعدها الشويخ، وحصل بعدها على 7 شهادات جامعية في اللغة العربية، من لبنان، والتجارة من مصر، والفلسفة وعلم النفس من سوريا، ودرس الشريعة في الأزهر، وغيرها، وكان شاعراً، وموسوعة معلومات متنقلة، قبل ظهور الإنترنت بعقود.
كما أن هناك حالة استثنائية جميلة أخرى تتمثّل في الصديق والسفير م. فيصل الغيص، الذي يتقن التحدث بالإنكليزية والألمانية والفارسية والبرتغالية والفرنسية والأسبانية، والشيء الكثير من الصينية، بخلاف خبرة دبلوماسية واسعة في قطاعات عدة متفرقة، وهذه موهبة نادرة وبحاجة إلى ذاكرة حديدية، وقدرة عجيبة على استيعاب المعاني والمفردات، لا يعرف صعوبتها إلا من كابد وسهر الليالي لتعلّم لغة أجنبية واحدة.
أحمد الصراف

