في لحظة كهذه، قد نشعر بالغضب، وقد تدفعنا كرامتنا إلى الرد عليه بالطريقة نفسها، أو ملاحقته، أو التوقف لمواجهته، وكأننا في معركة لا بد أن نخرج منها منتصرين.
ولكن هل فكرنا للحظة في الثمن، الذي قد ندفعه مقابل هذا الانتصار الوهمي؟
ليس كل خطأ يستحق رداً، وليس كل استفزاز يستحق مواجهة.
نحن لا نعرف من يقود السيارة الأخرى، قد يكون شخصاً متهوراً لا يدرك عواقب تصرفاته، أو متعاطياً لا يعي ما يفعل، أو إنساناً يمر بأزمة نفسية أو ظروف قاسية، جعلته يفقد السيطرة على أعصابه.
وقد يكون ببساطة شخصاً لا يحترم القانون ولا حياة الآخرين.
وفي جميع هذه الحالات، ما الذي سنجنيه من الدخول معه في مواجهة؟
هل سيصبح أكثر التزاماً بقواعد المرور؟ هل سيعتذر عن خطئه؟ أم أننا قد نحوّل مخالفة مرورية عابرة إلى حادث مأساوي، أو مشاجرة، أو اعتداء لا تُحمد عقباه؟
والأهم من ذلك كله، أن الشارع ليس مكاناً لتصفية الحسابات، فهل يستحق شخص، قد لا نراه مرة أخرى في حياتنا، أن نخاطر بحياتنا وحياة من نحب من أجله؟
الكثيرون منا قد يعتبرون تجاهل استفزاز من قائد سيارة متهور في الطريق ضعفاً وانتقاصاً من كرامتهم.
ليس من الضروري أن نثبت للآخرين أننا على حق، أو أن نحاول معاقبة السائق المتهور بأنفسنا؛ لأن هناك قانوناً وجهات مختصة يتوليان محاسبة المخالفين.
مسؤوليتنا الأولى هنا هي حماية أنفسنا ومن معنا.
ضبط النفس في هذه المواقف لا يُعتبر ضعفاً أبداً، بل هو قدرة على اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة، التي قد نفقد فيها السيطرة على انفعالاتنا.
السائق المتهور، كيف نتعامل معه إذا تجاوزنا بصورة خطرة؟
هل نترك له المجال؟ فليس من الضروري أن نثبت للآخر أننا على حق، ولا أن نعاقبه بأنفسنا على خطئه، هناك قانون وجهات مختصة يتوليان محاسبة المخالفين.
أما مسؤوليتنا الأولى، فهي حماية أنفسنا ومن معنا، ولنحافظ على مسافة آمنة. وإذا حاول استفزازنا بإطلاق البوق أو الإشارات العدائية، فلا نرد عليه بالمثل.
علينا أيضاً أن نتذكّر أن الشارع يجمع أشخاصاً مختلفين في طباعهم وأخلاقهم وظروفهم وقدرتهم على التحكّم في أعصابهم. ولا يمكن أن نتوقع من الجميع أن يتصرفوا بالحكمة نفسها، التي نتمنى أن نتحلى بها.
فلا نحاول الانتقام باستخدام السيارة، سواء بالفرملة المفاجئة، أو التضييق على السائق الآخر، أو ملاحقته؛ لأننا لحظتها قد نتحول من ضحية لخطأ غيرنا إلى طرف في خطر، قد يصيب أبرياء لا علاقة لهم به.
أكرر هنا أن تجاهل الاستفزاز لا يعني تجاهل الخطر.
فالفرق كبير بين أن نتغاضى عن تصرف مستفز حفاظاً على سلامتنا، وبين أن نسكت عن سلوك يشكّل تهديداً حقيقياً لحياة الآخرين.
الإبلاغ عن المخالفات للجهات المختصة بوزارة الداخلية تصرف مسؤول، أما المواجهة الشخصية فليست مسؤوليتنا؛ لأن القيادة الآمنة لا تعني فقط الالتزام بقواعد المرور، بل أيضاً معرفة كيفية التعامل مع أخطاء الآخرين دون السماح لها بأن تتحكّم في قراراتنا.
نقطة مهمة جداً، وهي التفكير في من ينتظرنا في البيت.
لا نجعل لحظة غضب عابرة تسلبنا سنوات من أعمارنا، وتمنح غريباً سلطة تقرير مصيرنا، فقد يكون الحق في الشارع معنا، إلا أن ذلك لا يعني أبداً أن نعرّض حياتنا للخطر من أجل إثبات حقنا.
أسئلة سريعة علينا أن نطرحها على أنفسنا:
ماذا سأربح إذا رددت عليه؟ وماذا يمكن أن أخسر؟
من الوارد جداً ألا نربح من الرد شيئاً، لكننا قد نخسر كل شيء.
انتصارنا في الشارع، بكل ما فيه من متهورين ومخالفين، ليس أن نرد على من يستفزنا، بل أن نصل إلى أهلنا وأحبابنا.
إقبال الأحمد

