: آخر تحديث

اسمي اسمك هويتي هويتك

4
3
4

كنت أعتقد بأن «بطاقات الهوية» ظاهرة حديثة، لكن تبين أنها قديمة جدا، وكانت فرنسا، منذ القرن الـ 19 رائدة في هذا المجال، لكن فقط لتتبع العمال. ثم وقعت الحرب العالمية الأولى، ودفع ذلك العديد من الدول الأوروبية لإصدار بطاقات هوية لكل مواطن لأغراض الأمن والتقنين، وتعزز الأمر ذاته مع الحرب الثانية.

كان غياب نظام الهوية الشخصية في بريطانيا مصدر استغرابي، عندما كنت أعيش هناك في منتصف الثمانينات. وكنت أتساءل كيف يمكن لأي فرد أن يعيش ويتصرف من دون هوية. بعد السؤال تبين أن من الممكن، في الغالب الأعم، التعرف على حقيقة هوية الشخص، عند فتح حساب مصرفي، مثلا، بعدة طرق.

بالبحث تبين أن التقاليد الأنجلوسكسونية فرضت القانون العام (Common Law)، الذي يقوم على مبدأ: «كل ما لم يُحظر صراحة فهو مسموح»، والأهم من ذلك مبدأ «لا داعي لتبرير وجودك أو شخصك للدولة» ما لم يكن هناك سبب قانوني محدد (مثل الاشتباه بجريمة)، فسؤال شخص عن اسمه يعتبر نوعا من المراقبة الحكومية، والتطفل. لكن الأمر يختلف في أوروبا، حيث يميلون، تاريخياً، لتسجيل المواطنين بشكل منهجي. وقد حاولت حكومة بلير، البريطانية، الاقتداء بأوروبا، إلا أنها واجهت اعتراضات عدة، فاضطرت لإلغاء القرار تاليا؛ واستمرار العمل بالطريقة السارية، المعمول به منذ سبعين عاما، والمطبق أيضا في الولايات المتحدة وكندا واستراليا، فلم تغييره؟ علما بأن المقيمين الأجانب ملزمون غالبا بحمل هوية ما.

من ناحية أخرى، لم يكن تسجيل المواليد ظاهرة مسيحية كنسية حصرية، بل كان موجودًا في العديد من المجتمعات، فقد احتفظت روما القديمة بسجلات مواليد، لأغراض التبعية والميراث. كما حافظت الصين القديمة على أنظمة تسجيل الأسر لأغراض التعداد والضرائب، لأكثر من ألفي عام، وكان الحال كذلك في مصرالقديمة وبلاد ما بين النهرين (وهذا هو الاسم الصحيح لتلك البلاد القديمة، وليس العراق، وهو تسمية حديثة جدا). وحافظت التقاليد اليهودية على سجلات أنساب مفصلة. كما حافظت مجتمعات إسلامية عدة على سجلات الأنساب بدقة متناهية. وربما تكون سجلات الرعية الكنسية، لأغراض المعمودية والزواج والدفن، في الدول المسيحية، الأكثر دقة. لكن إنكلترا قررت عام 1837 وقف الاعتماد على السجلات الكنسية، الذي كان ساريا منذ القرن الـ 16، واعتمدت نظام التسجيل المدني. علما بأن علم الأنساب، عند بعض المجتمعات العربية، كان تاريخيا، أكثر دقة منه في معظم أنحاء أوروبا المسيحية المعاصرة. لكن استخدام أسماء العائلة، كما هو شائع اليوم، يُعدّ في منطقتنا ظاهرةً حديثةً نسبيًا، فقد فرضتها تركيا على الدول التي كانت خاضعة لها رسميًا عام ١٩٣٤، عندما ألزمت حكومة أتاتورك جميع المواطنين على اختيار اسم عائلة ثابت كجزء من إصلاحات العلمنة والتحديث، وهذا دفع الجميع نحو توحيد الألقاب العائلية. كما نجد، في المجتمعات المسيحية بالذات، عادة إضافة اسم أوسط بين اسم الشخص ووالده، أوعائلته، ويكون عادة اسم قديس، أو اسم حليف سياسي أو شخصية بارزة، مما يمنحهم تميزا ما. انتشرت هذه الطريقة مع عصر النهضة، وأصبحت شائعة لدى العائلات الثرية في أوروبا، خلال مراسم التعميد. ومع وصولها للولايات المتحدة ترسخت أكثر، وأصبحت جزءًا أساسيا من ممارسات التسمية الغربية. ويوجد ما يماثل هذه الطريقة في لبنان والأردن وفلسطين وسوريا، وحتى مصر، حيث يضاف اسم «محمد» لاسم المولود الذكر، مثل «محمد مروان»، لكن غالبا لا يُعرف أو ينادى به، وهي طريقة تسمية مركبة ومربكة تتسبب أحيانا في إشكالات لصاحبها، وبالتالي قل استخدامها في السنوات الأخيرة.

أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد