عبدالعزيز الكندري
دشن طلاب المدراس في المراحل المختلفة، العام الدراسي الجديد 2026/ 2027، ونتمنى لهم التوفيق والنجاح في المراحل المتخلفة. ولم يعد السؤال، هل يتعلم أبناؤنا؟ ولكن السؤال الأهم، ماذا يتعلمون؟ وهل ما يتعلمونه سيؤهلهم لحياتهم المستقبلية؟
فالعالم اليوم يتغير بسرعة غير مسبوقة وغير متوقعة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والروبوتات، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الإبداعي، كلها تعيد تشكيل سوق العمل. ولذلك تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التعليم في المستقبل يجب ألا يكتفي بالمعرفة، بل يركز كذلك على المهارات والقيم والقدرة على التعامل مع ظروف لم تكن موجودة من قبل.
والتعليم القادم سيكون مختلفاً عن المدرسة التقليدية التي تعتمد على المعلم والكتاب والاختبار والحفظ. سيكون تعليماً أكثر شخصية ومرونة، يستخدم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لمعرفة مستوى الطالب ونقاط قوته وضعفه، ويتيح له التعلم بالسرعة والطريقة التي تناسبه، والطالب لن يحتاج 14 سنة في المدارس وربما بسنوات أقل يحصل على معرفه أكثر بسبب التكنولوجيا، والشهادة لم تعد كافية ولابد من وجود المهارة.
وسيتحول دور المعلم من ناقل للمعلومات إلى موجه ومدرب ومصمم للتجربة التعليمية. أما الطالب فلن يكون مجرد متلقٍ للمعلومة، بل سيكون باحثاً ومحللاً ومشاركاً في صناعة المعرفة، وسيصبح التعلم مدى الحياة أمراً ضرورياً؛ لأن الشهادة الجامعية لن تكون نهاية التعليم، بل بداية لمسيرة طويلة من تطوير المهارات وإعادة التأهيل، ومن دون مهارة لن تجد مقعداً في سوق العمل.
وهل التعليم الحالي يؤهل الطلاب للمستقبل؟ فكثير من الأنظمة التعليمية ما زالت تقيس نجاح الطالب بدرجات الاختبارات وحفظ المعلومات، بينما سوق العمل يبحث بصورة متزايدة عن شخص يستطيع حل المشكلات، والتفكير النقدي، والتواصل، والعمل الجماعي، والإبداع، واستخدام التقنية، والتكيف مع التغيير.
المشكلة ليست في الرياضيات أو العلوم أو اللغة أو التاريخ؛ فهذه أساسيات مهمة، وإنما المشكلة عندما يصبح التعليم محصوراً في حفظ المعلومات من دون القدرة على استخدامها، فالطالب الذي يحفظ إجابة الامتحان قد يحصل على درجة عالية، لكنه قد يواجه مشكلة عندما يُطلب منه أن يبتكر حلاً جديداً لمشكلة لم يسبق أن درسها، لذلك التعليم يجب أن يجمع بين المعرفة والمهارة.
والمعيار الحقيقي للاستثمار في التعليم ليس فقط عدد المدارس والجامعات والمباني والأجهزة، وإنما: ماذا تعلم الطالب؟ وما المهارات التي اكتسبها؟ وهل يستطيع استخدامها في الجامعة والعمل والحياة؟
وإذا أنفقت الدولة مليارات على التعليم، ثم تخرجت أعداد كبيرة من الطلبة بتخصصات لا يحتاجها سوق العمل، بينما تستورد الشركات مهارات وخبرات من الخارج، فهناك فجوة تحتاج إلى مراجعة.
وهناك نماذج وتجارب ناجحة للتعليم مهم نسترشد بها، مثل فلندا وسنغافورة... وتجربة فنلندا لا تكتفي بتدريس المواد، بل تركز كذلك على الكفاءات العابرة للتخصصات، مثل الثقافة الرقمية، والعمل، وريادة الأعمال والمشاركة المجتمعية، كما تفرض المناهج الوطنية وجود مشروع واحد على الأقل سنوياً يجمع بين أكثر من مادة دراسية.
وسنغافورة قدمت نموذجاً قوياً في الربط بين التعليم والاقتصاد الذي يشجع المواطن على تطوير مهاراته طوال حياته، ويعمل على جعل التدريب متوافقاً مع احتياجات القطاعات الاقتصادية.
كما توفر الدولة توجيهاً تعليمياً ومهنياً للطلاب لمساعدتهم على اتخاذ قرارات أفضل بشأن الدراسة والمهنة.
وفي مقابلة مع صحيفة «فاينانشال» تايمز اللندنية، قال أحد المسؤولين في سنغافورة «إن نظام التعليم مصمم لتدريب الطلاب على الوظائف التي يمكنهم شغلها. ولهذا السبب، عندما يتخرج الطلاب، يحصلون على عمل على الفور».
وكيف نحقق تعليماً يناسب سوق العمل؟
الاستماع إلى سوق العمل، وتحديث المناهج باستمرار، إعطاء التعليم التقني والمهني مكانته، وإدخال الخبرة العملية أثناء الدراسة، وهذا ما نراه بوضوح في تجربة سنغافورة؛ إذ قامت على الربط بين التعليم والتدريب واحتياجات القطاعات الاقتصادية، مع التركيز على تطوير المهارات وإعادة تأهيل العاملين طوال حياتهم المهنية

