منيرة أحمد الغامدي
في اليوم الوطني السعودي لا نستحضر لحظة التوحيد بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب بل باعتبارها الأساس الذي قامت عليه الدولة من وحدة الأرض واستقلال القرار وبناء المؤسسات، ومنذ ذلك التأسيس مضت المملكة في مسار متصل من البناء والتطوير و انتقلت خلاله من ترسيخ كيان الدولة إلى توسيع قدراتها الاقتصادية والبشرية وتعزيز حضورها في محيطها والعالم. ومع تغير طبيعة العالم تغيرت كذلك معايير قوة الدول فلم تعد الموارد وحدها كافية لصناعة المكانة بل أصبحت القوة نتاجًا لقدرة الدولة على تحويل مواردها إلى اقتصاد منتج وإنسان مؤهل ومؤسسات فعالة وعلاقات دولية تخدم مصالحها. ومن هذا المنظور تكتسب المرحلة التي تعيشها المملكة اليوم أهميتها لأنها تعيد تشكيل عناصر القوة الوطنية على أسس أكثر تنوعًا واستدامة.
وجاءت رؤية السعودية 2030 لتضع هذا التحول ضمن إطار استراتيجي واضح، فمنذ إطلاقها عام 2016، انتقلت من مستهدفات طموحة إلى منظومة تنفيذ وقياس ومراجعة. ويظهر تقرير الرؤية لعام 2025 أن 93 % من المؤشرات التي جرى قياسها حققت مستهدفاتها المرحلية أو اقتربت منها، فيما كانت 90 % من المبادرات مكتملة أو تسير وفق المسار المحدد. ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في حجم الإنجاز فقط بل في ترسيخ ثقافة إدارية تربط الطموح بالنتائج والنتائج بالقياس.
ويبرز الاقتصاد بوصفه أحد أهم ميادين هذا التحول ففي عام 2025 بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي نحو 51 %، فيما أكد صندوق النقد الدولي في تقييمه لعام 2026 أن إصلاحات الرؤية دعمت نمو الأنشطة غير النفطية ووسعت دور القطاع الخاص، وعززت مسار التنويع الاقتصادي. هذه التحولات تعكس انتقالًا تدريجيًا من اقتصاد يرتكز بدرجة كبيرة على مورد رئيسي إلى قاعدة أوسع تشمل الصناعة والسياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والمالية وغيرها من القطاعات الواعدة. وتتجاوز أهمية هذا التنويع حدود النمو الاقتصادي فهو يمنح الدولة مرونة أكبر في مواجهة التقلبات، ويعزز قدرتها على تمويل أولوياتها واستثمار الفرص التي يتيحها الاقتصاد العالمي، ومن هنا تصبح التنمية الاقتصادية عنصرًا من عناصر القوة الوطنية، بقدر ما هي وسيلة لتحسين جودة الحياة وخلق الفرص.
لكن الاقتصادات لا تتحول بالمشروعات ورأس المال وحدهما فالإنسان هو الذي يحول الاستثمار إلى قيمة، والتقنية إلى معرفة والفرصة إلى إنتاج. ولهذا احتل التمكين وتنمية القدرات البشرية موقعًا مركزيًا في الرؤية. وفي عام 2025 بلغت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل 35.5%، ووصل عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص إلى نحو 2.6 مليون، في دلالة على اتساع قاعدة المشاركة الاقتصادية وتغير بنية سوق العمل. والتمكين في معناه الأعمق لا يقتصر على إتاحة الفرص، بل يتصل ببناء الكفاءة القادرة على استثمارها، فالتعليم والتدريب وريادة الأعمال وتطوير المهارات تمثل الأساس الذي يسمح للمواطن بأن يكون شريكًا في صناعة النمو لا متلقيًا لنتائجه فقط، وهنا تتضح العلاقة بين تنمية الإنسان واستدامة التحول وكلما ارتفعت المعرفة والإنتاجية ازدادت قدرة الاقتصاد على المنافسة والاستمرار.
وتقدم السياحة مثالًا واضحًا على هذا التحول إذ سجلت المملكة نحو 123 مليون سائح في عام 2025، بينهم أكثر من 30 مليون زائر دولي، بعد تحقيق الهدف الأصلي البالغ 100 مليون زائر قبل موعده، ولا تقتصر أهمية ذلك على عدد الزوار، بل في نشوء منظومة اقتصادية مترابطة تمتد إلى النقل والضيافة والثقافة والترفيه والاستثمار وتنمية المناطق، وهو نموذج لما يعنيه تحويل الإمكانات غير المستغلة بالكامل إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. وفي هذه التحولات يظهر مفهوم القيادة الحديثة بوضوح فالقيادة لا تقاس بكثرة المبادرات وإنما بقدرتها على تحديد الأولويات وتوجيه الموارد وقياس النتائج وتعديل الأدوات عندما تتغير المعطيات، فوضوح الغاية لا يعني جمود الوسيلة، بل يقتضي المرونة في التنفيذ بما يضمن الوصول إلى الهدف بأعلى كفاءة ممكنة.
وعندما تتماسك عناصر القوة في الداخل ينعكس ذلك بطبيعته على حركة الدولة في الخارج، فالسياسة الخارجية لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد والاستثمار والتقنية، والدولة التي تمتلك سوقًا مؤثرًا وقدرة استثمارية وموقعًا استراتيجيًا تكون أقدر على بناء علاقات تقوم على المصالح المتبادلة لا على الاصطفاف المجرد. ومن هنا يمكن فهم توجه المملكة نحو توسيع شبكة شراكاتها الدولية مع الحفاظ على علاقاتها الراسخة. العلاقات الدولية المعاصرة لا تقوم على التطابق الكامل بين الدول فقد يجتمع التعاون الاقتصادي مع اختلاف سياسي، أو تتقاطع المصالح الأمنية مع المنافسة التجارية. ولذلك تكمن جودة الدبلوماسية في معرفة أين توجد المصلحة المشتركة، وكيف يمكن تطويرها مع المحافظة على الثوابت والسيادة الوطنية.
وانتقاء الشراكات في هذا السياق لا يقاس بعددها بل بما تضيفه، فالعلاقة قد تفتح سوقًا أو تستقطب استثمارًا أو تنقل تقنية أو تعزز الأمن والاستقرار. وقد شهد عام 2026 استمرار المملكة في تطوير أطر تعاون استراتيجية مع دول متعددة، بما في ذلك إنشاء أطر جديدة للشراكة إلى جانب العلاقات الاستراتيجية القائمة مع قوى دولية وإقليمية مختلفة.
ولا يعني هذا التنوع استبدال شريك بآخر بل توسيع مجال الحركة في نظام دولي سريع التغير. فالدولة التي تجمع بين علاقات راسخة ومجالات تعاون جديدة تكون أكثر قدرة على التعامل مع التحولات من دون أن تحصر مصالحها في اتجاه واحد. وهذه المرونة أصبحت أكثر أهمية في عالم تتزايد فيه المنافسة على رأس المال والتقنية والطاقة وسلاسل الإمداد. وقد تغيرت وظيفة الدبلوماسية تبعًا لذلك فهي لم تعد محصورة في إدارة المواقف السياسية، بل أصبحت إحدى أدوات التنمية الوطنية تسهم في جذب الاستثمار وفتح الأسواق وبناء الشراكات التقنية والمعرفية وتعزيز الاستقرار الذي تحتاج إليه حركة التجارة والاقتصاد وبذلك يلتقي الداخل بالخارج ضمن تصور واحد للمصلحة الوطنية.
وفي هذه المعادلة، يبقى المجتمع عنصرًا أساسيًا في استدامة ما يتحقق، فنجاح الخطط لا تحدده كفاءة المؤسسات وحدها، بل يتطلب مواطنًا يرى نفسه جزءًا من عملية البناء، ومن هنا تتأسس العلاقة المتينة بين المجتمع وقيادته على الثقة والإنجاز والمسؤولية المشتركة فقيادة تحدد الاتجاه ومؤسسات تقوم بالتنفيذ ومجتمع يحافظ على المكتسبات ويضيف إليها. ودعم القيادة والمؤسسات يأخذ معناه الأعمق عندما يتحول إلى عمل وسلوك و إتقان في أداء الواجب واحترام للنظام ومحافظة على المال العام ومبادرة وإنتاج ووعي بالمصالح الوطنية. الوطنية في معناها العميق ليست حالة موسمية مرتبطة بالمناسبة بل ممارسة يومية تعكس شعور الفرد بمسؤوليته تجاه وطنه ومستقبله. ومن هنا يحمل اليوم الوطني معنى يتجاوز الاحتفاء بما أنجز فهو مناسبة لاستحضار مسيرة بدأت بوحدة الأرض، وتطورت إلى بناء المؤسسات ثم انتقلت اليوم إلى مرحلة توسيع قاعدة الاقتصاد وتمكين الإنسان وتوظيف المكانة الدولية في خدمة أهداف التنمية.وما تحقق خلال السنوات الماضية أسس قاعدة راسخة للمرحلة المقبلة حين يتحول فيها الاستثمار إلى معرفة والتمكين إلى إنتاجية والشراكات الدولية إلى مصالح طويلة الأمد، وتزداد فيها قدرة المؤسسات على تحويل الطموح إلى نتائج مستدامة. فالتاريخ منح المملكة جذورها والرؤية وسعت آفاقها والإنجازات عززت أدواتها. ويبقى جوهر المسؤولية الوطنية أن يضيف كل جيل إلى ما تسلمه، وأن يترك لمن يأتي بعده وطنًا أكثر تقدمًا في اقتصاده وأكثر كفاءة في مؤسساته وأكثر ثقة بإنسانه وأوسع حضورًا وتأثيرًا في العالم.

