يتغيّر العالم من حولنا بنقلات نوعية سريعة وذات أثر جبري علينا، في حين يتغيّر عالمنا العربي معه بتعثّر وارتباك، بعد أن أعطى تاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الضوء الأخضر لتسريع التبدلات الكبرى في منطقتنا.
يتساءل أولادنا في لبنان والعالم العربي والعالم: هل يُعقل أن تكون منطقتنا العربية، في نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، هي المنطقة الوحيدة في العالم التي ما زالت في عصر الوصايات والاحتلالات والحروب الأهلية؟
اليوم، ثمة مجموعة من المسائل والقضايا التي تحتل مركز اهتمامنا واهتمام أولادنا، أولها دخول منطقتنا في مرحلة انتقالية ما زلنا نتلمّس معالمها في طالع الأبراج وفناجين القهوة العربية المرّة.
لبنان، سوريا، العراق، فلسطين، والخليج... في مرحلة انتقالية لخّصها المفكر الإيطالي غرامشي في بداية القرن الماضي: «قديم انتهى وجديد لم نتلمّس آفاقه».
ثانية هذه القضايا، عولمة فرضت علينا أثقالها في أسلوب العيش والإدارة والاقتصاد والمال والبيئة والطب وغير ذلك، وخلقت نظاماً عالمياً جديداً. فإما أن ندخل هذه الدورة باقتدار وبشروطنا، أو سنلتحق بها لاحقاً مرغمين وبشروطها!
أما الملف الثالث، فيتمثل بثورة معلوماتية واتصالات وذكاء اصطناعي وشبكات تواصل اجتماعي، دخلت بيوتنا واستحالت أدوات بين أيدي أولادنا من خلف ظهورنا وظهور دولنا. فهل نتفاهم مع أولادنا بلغتهم، أم نصادر ما بين أيديهم؟
القضية الرابعة، هي انتعاش إسلام سياسي في بلادنا يتوسل العنف ويكفّر كل من ليس في خندقه من الناس، وفي الوقت نفسه يتقاتل جناحاه المذهبيان فيما بينهما أو يتحالفان عند الحاجة!
خامس هذه المسائل، أننا نشهد للمرة الأولى في تاريخ أوروبا المعاصر، الجاليات الإسلامية ناخباً وازناً في مجتمعاتها؛ ما أزكى موجة من الإسلاموفوبيا يركبها التطرّف الغربي بأحزابه الفاشية المتعصبة، في حين يطلق المتطرفون في بلادنا موجة مضادة تستهدف المسيحيين، ويركبها بعض الانتحاريين بأحزمة متفجرة إلى الغرب، وتستقبل بلادنا في الوقت نفسه دبابات وطائرات غازية مباركة «بماء مقدّس»! فهل نعود إلى صِدام الحضارات والأديان، أم نجنح إلى سلم وأخوّة إنسانية؟
هل يحق لمسيحيي لبنان والعالم العربي، وكاتب المقال منهم، الانسحاب من المشهد السياسي عند منعطف تاريخي يُعاد فيه ارتسام معالم المنطقة؟ وهل يحق لنا، نحن الذين دفعنا ثمن تجارب العنف بكل أشكاله، ألا نسهِم في نجاة أولادنا من تجارب العنف، في حين نردّد أمامهم في صلواتنا اليومية تضرعاً ألا ندخل في التجارب؟
الحل، أن نطالب معاً بالبحث عن مستقبل منطقتنا وثقافتنا في ظل عولمة تجتاح الكون، وفي وقت تندفع قوى إقليمية غير عربية إلى اقتسام جلدنا، مثلما اندفعت قوى دولية ذات يوم إلى اقتسام تركة «الرجل المريض» في المنطقة.
إذا أسهمنا في صناعة نظام عربي جديد، تبتعد فيه العروبة عن طابعها الديني والسياسي لتتلخّص بعروبة ثقافية (كل من يتكلّم العربية هو عربي)، نجونا. وإذا انسلخنا عن محيطنا بحجة الاختلاف، فشلنا، فلا مكان لإسرائيل ثانية أو ثالثة في المنطقة.
لا ندّعي اختراع حلول، إنما نأمل تحقيق أهداف مشتركة. فنحن، مسيحيي العالم العربي، يربطنا بمسلميه ماضٍ وحاضر ومستقبل مشترك. تقاتلنا، كما بنينا معاً مصالح مشتركة وثقافة مشتركة وعالماً مشتركاً.
رفضنا ونرفض أن نكون ضمن تحالف أقليات دينية في وجه الغالبية السنية. ورفضنا ونرفض الحمايات، أكانت داخلية من خلال أنظمة استبدادية وميليشيات نظامية، أم خارجية من خلال جيوشها الوافدة وأذرعها المقيمة. وتعلّمنا أن كل من ادّعى حمايتنا إنما كان حامياً لمصالحه، وكنا له أكياس رمل.
على كل القوى الحية وصاحبة المصلحة في لبنان تجاوز الماضي وإعلان وقف إطلاق نار حقيقي بين الأحزاب والشخصيات؛ من أجل البحث عن طريق للخلاص، تتكامل فيه مصالح المسلمين مع المسيحيين وكل المخلصين في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ومصر والخليج.
هل يقتصر «سلام البابا» على السلام العربي - الإسرائيلي؟ أم يتجاوز السياسة وتعقيداتها ليطلّ على سلام الثقافة والسلام مع الآخر المختلف، والسلام للمرأة في مجتمع حديث، والسلام بين الشعوب والديمقراطية والحداثة، والسلام بين ضفّتي المتوسط؟
نتمسّك بالتجربة اللبنانية التي كرّسها اتفاق الطائف والدستور المنبثق عنه الذي جاء في مقدمته: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». هذا هو طريق الخلاص!

