عبد الله سليمان الطليان
القلق أو الهم الذي تسببه ضغوط الحياة قد يكون أكبر انفعال له وزنه كدليل علمي يربط بينه وبين بداية الأمراض ويحدد مسار العلاج. وإذا كان القلق يساعدنا على التأهب للتعامل مع بعض الأخطار، فإنه يكون بذلك مفيدًا، لكنه غالبًا ما يكون مبالغًا فيه في حياتنا المعاصرة وفي غير محله. فالهم والضيق يأتيان في مواجهة مواقف يجب أن نعيشها أو نستحضرها، وهي مواقف ليست أخطارًا تتطلب المواجهة.
إن نوبات القلق المتكررة تسبب توترًا شديدًا، والمرأة دائمة القلق التي تشعر بالألم في بطنها تعد من الأمثلة المألوفة في الكتب الدراسية عن تأثير القلق والتوتر في تفاقم المشكلات الطبية.
لاحظ عالم النفس بروس ماكوين (Bruce McEwen) بجامعة ييل، في بحث موسع نُشر عام 1993 في مجلة Archives of Internal Medicine حول العلاقة بين التوتر والمرض، مجموعة كبيرة من التأثيرات؛ إذ وجد أن وظيفة المناعة قد تتغير إلى درجة تتسارع معها العوامل المسببة للسرطان، وتزداد سرعة التأثر بالعدوى الفيروسية، كما يتفاقم تكوّن الصفائح المسببة لتصلب الشرايين وتجلط الدم المؤدي إلى الذبحة الصدرية. كما يعجل القلق ببداية الإصابة بالنوع الأول من داء السكري (Type I)، ويؤثر في نتائج علاج النوع الثاني (Type II)، ويزيد من نوبات الربو.
وقد يؤدي التوتر أيضًا إلى حدوث قرحة المعدة، ويفاقم أعراض التهاب غشاء القولون المخاطي والتهاب الأمعاء. كما يتعرض الدماغ نفسه، نتيجة تأثير التوتر المستمر، لإجهاد شديد يضر بمنطقة الحُصين (Hippocampus)، وبالتالي يضعف الذاكرة. ويقول ماكوين: «تتزايد الدلائل على أن الجهاز العصبي يبلى تحت وطأة ما يعانيه المتوترون من البشر».
ومن أكثر الشواهد إثارة للاهتمام على تأثير التوتر في الحالة الصحية بحوث الأمراض المعدية مثل نزلات البرد والإنفلونزا والهربس. ومن المعروف أننا جميعًا نتعرض باستمرار لمثل هذه الفيروسات، لكن جهازنا المناعي يقاومها. أما إذا تعرضنا لتوتر انفعالي، فإن الجهاز المناعي يفشل غالبًا في مقاومتها.
وقد بينت التجارب التي فُحصت فيها مباشرة قوة الجهاز المناعي أن هذه القوة تضعف نتيجة التوتر والقلق. ولم يكن واضحًا في البداية ما إذا كان لضعف المناعة أهمية إكلينيكية، وهل يبلغ هذا الضعف درجة تفتح الباب أمام الأمراض أم لا. ومن هنا جاءت أهمية الدراسات التي تابعت الحالات على مدى زمني طويل، حيث بدأت بأشخاص أصحاء ثم راقبت تصاعد التوتر لديهم وما يتبعه من ضعف في الجهاز المناعي إلى أن يظهر المرض.
قام شيلدون كوهين (Sheldon Cohen)، عالم النفس بجامعة كارنيغي ميلون (Carnegie Mellon)، بالتعاون مع علماء وحدات أبحاث أمراض البرد، بإجراء دراسة أثارت اهتمامًا علميًا كبيرًا. فقد قيّم بدقة حجم التوتر الذي يتعرض له الناس في حياتهم، ثم عرضهم بصورة منظمة لفيروس البرد. ووجد أن الفيروس لم يسبب نزلة برد لكل من تعرض له، لأن الجهاز المناعي القوي لدى أغلبهم استطاع مقاومته. إلا أنه وجد أيضًا أن احتمالية الإصابة كانت تزداد بقدر ازدياد مستوى التوتر النفسي.
ولا يتمثل خطر القلق فقط في خفض مستوى الاستجابة المناعية، بل إن بحوثًا أخرى أثبتت ما يحدثه من تأثيرات ضارة على الجهاز القلبي الوعائي. فبينما تشكل العدوانية المزمنة ونوبات الغضب المتكررة أكبر خطر على مرضى القلب من الرجال، فإن القلق والخوف يمثلان أكثر الانفعالات إضرارًا بالنساء.
وقد أثبتت دراسة أجريت في كلية الطب بجامعة ستانفورد على أكثر من ألف رجل وامرأة تعرضوا لأزمة قلبية أولى، أن النساء اللاتي وصل بهن الخوف والقلق إلى ذروتهما كن أكثر عرضة للإصابة بأزمة قلبية ثانية. وقد ظهر الخوف في صور متعددة، منها الخوف المرضي الشديد؛ فبعض المرضى توقفوا عن قيادة سياراتهم، وترك آخرون وظائفهم، أو انعزلوا في بيوتهم.
ولقد أمكن التوصل إلى تحديد دقيق للآثار الجسمية غير الظاهرة التي تنتج عن التوتر الذهني والقلق، من ذلك النوع الذي ينتج عن الأعمال التي يتعرض خلالها الإنسان لضغوط عصبية شديدة، أو عن العيش في ظروف تسبب مثل هذه الضغوط، كما هي حال الأمهات اللاتي يقمن بتربية أطفالهن بمفردهن ويجمعن بين العمل ورعاية الأبناء.
وقد أجرى ستيفن مانوك، عالم النفس بجامعة بيتسبرغ، تجربة على ثلاثين متطوعًا يعيشون تحت ضغط نفسي شديد، حيث أدخلهم إلى المختبر وقاس مستوى مادة تسمى الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP) التي تفرزها صفائح الدم. وهي مادة تحفز تغيرات في الأوعية الدموية قد تؤدي إلى الأزمات القلبية والسكتات الدماغية. وأظهرت النتائج أنه أثناء تعرض المشاركين للضغط النفسي ارتفع مستوى هذه المادة بصورة حادة، كما ازداد معدل ضربات القلب وارتفع ضغط الدم.
ويبدو أن الأخطار التي تهدد الصحة تكون أكبر بكثير بالنسبة لمن يؤدون أعمالًا يتعرضون فيها لشد عصبي كبير؛ أي الأعمال التي تتطلب أداء المهام تحت ضغوط شديدة، في الوقت الذي يعجز فيه العاملون عن التحكم في هذه الضغوط أو لا يملكون القدرة الكافية على تنظيم كيفية إنجاز أعمالهم.
خذ مثلًا سائقي الحافلات وما يوجهونه من مواقف ومآزق تؤدي إلى مستويات مرتفعة من التوتر. وقد تبين من دراسة أُجريت على (569) من مرضى سرطان القولون والمستقيم، مع مجموعة مقابلة للمقارنة، أن الذين ذكروا أنهم عانوا من توتر شديد خلال السنوات العشر السابقة نتيجة الضغوط المتفاقمة في العمل، كان احتمال تطور إصابتهم بالسرطان لديهم أكبر بخمسة أضعاف مقارنة بمن لم يعانوا مثل هذا التوتر في حياتهم.
وتُستخدم اليوم تقنيات الاسترخاء إكلينيكيًا للتخفيف من أعراض الأمراض المزمنة المتنوعة. ومن المعروف أن الاسترخاء وسيلة فعالة للحد من الإثارة الفسيولوجية الناتجة عن التوتر. ومن هذه الأمراض المزمنة: بعض أنواع داء السكري، والتهاب المفاصل، والربو، واضطرابات الجهاز الهضمي، والآلام المزمنة، وغير ذلك كثير.
فأعراض هذه الأمراض يمكن أن تتفاقم بدرجات متفاوتة نتيجة التوتر والشد العصبي، كما أن مساعدة المرضى على الاسترخاء والتعامل مع مشاعرهم المضطربة قد تسهم في التخفيف من آلامهم وتحسين حالتهم الصحية في كثير من الأحيان.
تبين من تشخيص حالة إحدى المريضات أنها مصابة بسرطان الثدي الخبيث الذي يعاود الانتشار، وقد عاودها الورم سنوات عدة، بعد أن ظنت أن الجراحة التي أجرتها ناجحة، ولم يعد بإمكان طبيبها المعالج، والحال هذه، أن يتحدث عن احتمال شقائها، فكان ما بوسعه هو أن يوفر لها العلاج الكيميائي، لكي تعيش المريضة بضعة شهور أخرى من العمر في أفضل الأحوال، من المفهوم في هذه الحالة أن تكتئب المريضة لدرجة الانفجار في البكاء كلما ذهبت لزيارة طبيبها المتخصص في الأورام كان الطبيب يطلب منها في كل مرة مغادرة مكتبه على الفور كرد فعل لحالتها الاكتئابية. وبصرف النظر عن الإيذاء النفسي الذي يسببه برود هذا الطبيب المختص في الأورام، فثمة سؤال يثور هنا، هل هناك أهمية من الناحية الطبية لعدم مراعاة الطبيب الحزن مريضته الدائمة مع تقدم حالة المرض خبيث ألا يحتمل أن تؤثر فيه العاطفة فتعمل على وقف استفحاله.. وعلى حين أن اكتئاب المريضة يجعل من شهورها الأخيرة - بكل تأكيد - وقتاً مظلمًا كئيبًا، لكن الشواهد الطبية لم تؤكد بعد أن الكآبة قد تؤثر في تفاقم السرطان، وإذا نحينا مرض السرطان جانبًا، نجد أن قلة من الدراسات تشير إلى دور الاكتئاب في زيادة حالة المرض سوءا منذ بدايته. أما وقد تزايدت الشواهد بالنسبة المرضى الأمراض الخطيرة الذين يعانون من الاكتئاب فإن المفيد من الناحية العلاجية أن تعالج الاكتئاب الذي أصيبوا به أيضًا.
ومن تعقيدات علاج الاكتئاب لدى المرضى بأمراض جمعية أن أعراضه تلتبس مع أعراض أمراض أخرى، ولا يفهمها بعض الأطباء الذين لم يتدربوا جيدًا على التشخيص السيكولوجي، ومن بين هذه الأعراض فقدان الشهية والميل إلى النوم غير الطبيعي. وقد يترتب على عدم تشخيص الاكتئاب تفاقم المشكلة، مادام الاكتئاب نفسه - مثل اكتئاب مريضة سرطان الثدي الباكية - يمر على الطبيب دون ملاحظة أو علاج، وربما يزيد هذا الفشل في التشخيص والعلاج من خطر الوفاة في الأمراض الخطيرة. وعلى سبيل المثال، توفي خلال السنة الأولى 12 مريضًا من 13 مريضًا مكتئبًا من بين مائة مريض أجريت لهم عملية زرع نخاع العظام، بينما ظل على قيد الحياة 14 مريضًا من بين 27 عامين آخرين، أما مرضى الفشل الكلوي المزمن ممن كانوا يعالجون بالغسيل الكلوي، ويعانون من حالات الاكتئاب الحادة، فقد توفوا خلال عامين، كان الاكتئاب مؤشرًا أقوى على اقتراب وفاتهم من الأعراض الجسمية ذاتها. ومن هنا فإن الارتباط بين الانفعالات والحالة المرضية لم يكن بيولوجيًا ولكنه ارتباط واضح مع ذلك في هذه المواقف.
وقد تبين أن المرضى المكتبين أسوأ كثيرًا في استجابتهم لنظامهم العلاجي، فلا يلتزمون بنظامهم الغذائي مما يعرضهم المخاطر صحية جسيمة.
ويشكل الاكتئاب - فيما يبدو - خطرًا مميتًا على من يبقى على قيد الحياة من مرضى القلب، فقد أظهرت دراسة أجريت في مستشفى مونتريال على مرضى الاكتئاب الذين عولجوا من الأزمة القلبية الأولى، فتبين أنهم أكثر عرضة لخطر الموت خلال الشهور السنة التالية بعد علاجهم. وزاد معدل الوفاة خمس مرات بين المصابين بالاكتئاب الحاد، إذ بلغت النسبة مريضًا واحدًا من بين كل ثمانية مرضى بالمقارنة بغيرهم من مرضى القلب، ومن ثم تبين أن تأثير الاكتئاب يفوق كثيرًا المخاطر الكبيرة الأساسية المسببة للوفاة بأمراض القلب مثل اختلال وظائف البطين الأيسر، أو التاريخ المرضي عن الأزمات القلبية السابقة، ومن الآليات الممكنة التي قد تفسر زيادة ترجيح حدوث الأزمة القلبية التالية نتيجة الاكتئاب، تأثيراتها في احتلال ضربات القلب مما يزيد من خطورة عدم انتظام هذه الضربات. وهو خطر مميت.
نشير أخيراً إلى خطورة الوضع الذي يتعرض له المريض جسديًا إذا تغلب عليه القلق والتوتر والاكتئاب ولم يبدِ المريض المقاومة أو المساعدة من محيطه. ولأن الهموم العاطفية المزمنة تسمم الحياة، وتتخذ أشكالًا عدة يترتب عليها عدد من الانفعالات المسممة، فإن العاطفة الإيجابية من جهة أخرى تساعد على الشفاء. فالضحك أو السعادة وحدها يمكن أن تغير مجرى أخطر الأمراض. وقد يبدو للبعض أن التأثير الذي تحدثه العواطف الحقيقية تأثير بسيط، لكنا نكتشف من خلال الدراسات التي أجريت على أعداد كبيرة من الناس قدر لا يستهان به من المتغيرات المركبة التي تؤثر إيجابيًا في مسار الأمراض.
إن العزلة والصمت من العوامل التي يمكن إضافتها إلى قائمة الأخطار الانفعالية ضد الصحة، كما أن الروابط العاطفية الوثيقة يمكن إضافتها إلى قائمة العوامل الوقائية، فقد تبين من الدراسات التي تمت على مدى عشرين عامًا على أكثر من 17 ألف شخص أن العزلة الاجتماعية أي الإحساس بعدم وجود إنسان يمكن أن يشاركك مشاعرك الخاصة، أو أنك بلا علاقات وثيقة، هذا الإحساس يضاعف فرص المرض أو الموت، وفي تقرير نشرته مجلة العلوم Score العام 1997 جاء أن خطورة العزلة على معدلات الوفيات مثل الخطورة التدخين على معدلات الوفيات وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكولسترول والسمنة، وعدم ممارسة الرياضة،
فإذا كان التدخين يزيد من خطر الوفاة بنسبة 1.6، فإن عامل العزلة يزيد من خطر الوفاة بنسبة 2.0 مما يجعل خطره أكبر على الصحة. كما أن العزلة أصعب على الرجال من النساء، حيث ارتفع احتمال موت الرجال المنعزلين اجتماعيًا إلى ضعف أو ثلاثة أضعاف عن غيرهم ممن لهم علاقات اجتماعية واسعة. أما بالنسبة للنساء، فقد زاد خطر الوفاة مرة ونصف المرة عن النساء الاجتماعيات وربما يأتي هذا الفرق بين الرجال والنساء في تأثير العزلة فيهم. لكن الوحدة ليست مثل العزلة، فنحن نرى كثيرًا من الناس يعيشون وحدهم أو يلتقون بعدد قليل من الأصدقاء نراهم أصحاء وراضين عن حياتهم. والواقع أن الخطر الصحي يكمن في الإحساس الذاتي بالانقطاع عن الناس، وغياب الإنسان الذي يمكن أن تلجأ إليه، ولا شك في أن نتيجة هذه العزلة تنذر بالسوء، إذ يتولد عنها الجلوس وحيدًا أمام شاشة التليفزيون. وانحسار ممارسة العادات الاجتماعية في المجتمعات المدنية، مثل النوادي وتبادل الزيارات والانضمام إلى جماعات المساعدة الذاتية.
فإذا كانت نتائج الدراسات التي تمت حول عواطف الإنسان وصحته تعني شيئًا، فهي تعني أن إهمال الرعاية الطبية لمشاعر المرضى الذين يعيشون المعارك مع ما يعانون من أمراض مزمنة قاسية، هذا الإهمال لم يُعد أمراً لائقاً بمهنة الطب، فقد حان الوقت كي يحقق الطب استفادة منهجية أكثر من الارتباط بين العاطفة وصحة الإنسان، وينبغي أن يكون ما يعتبره البعض استثنائيًا اليوم، جزءًا من تيار الطلب الرئيسي، ليصبح متاحاً لنا جميعًا، فهذا سوف يجعل الطب على الأقل أكثر إنسانية بل سيساعد أيضًا البعض على سرعة الشفاء.

