: آخر تحديث

حياكم الله.. وعدٌ يُوفّى على أرض الحج

3
4
4

ناهد الأغا

في نهاية كل موسم حج، تغادر آخر طائرة، وتُلف آخر حقيبة على ظهر حاج متعب سعيد، تعلن وزارة الداخلية السعودية نجاح خططها.

وطنٌ يفي بوعده كل عام، بإرادة تسبق الموسم، وتخطيط يحوّل الحشود المليونية إلى أنهار تسير بطمأنينة.

وخلف الإعلان والأرقام والتصريحات الرسمية، ثمة مشهد يلتقطه القلب: دمعة وداع... حاج يودع الكعبة بنظرة أخيرة، وابتسامة جندي سعودي يرفع يده مودعاً أخاً في الله.

وبين رحيل موسم وولادة آخر، يولد شعار يختصر كل شيء (حياكم الله) شعار يتحول إلى هوية كاملة، وأخلاق متكاملة، ورسالة حب يكتبها وطن بخيوط من نور على جبين الزمن....

السعوديون يرون في الحاج قصة سافرت من بعيد، فارقت الأهل وتركت الديار وقطعت البحار، لتقول: (لبيك اللهم لبيك) وهم حين يقولون لك حياكم الله، يمدون إليك قلوبهم وأيديهم.

ضيوف الرحمن وكلمة ضيف في ثقافتنا العربية تحمل أمانة في أعناقنا، وعندما يضاف هذا الضيف إلى «الرحمن»، تتحول الخدمة إلى عبادة، ويصبح الجندي الذي ينظم حركة الحجاج أيقونة أمن وطمأنينة، وتستقبل الموظفة التي تُنهي إجراءات الحاج، بـحياكم الله.. تعبك مشكور.

في المشاعر المقدسة، يقف رجال الأمن السعوديون، تحت شعار حياكم الله يعلنون للعالم أن أمن الحجيج خط أحمر، خط من ورد وطمأنينة، في هذه البقعة المباركة، أنت في حضن دولة جعلت من حمايتك واجباً دينياً ووطنياً.

خطط محكمة، وتفويج ذكي، وقطار سريع، وكاميرات تراقب، وإرشادات تصل لهاتفك بلغتك الأم، وفي اللحظة التي يرمي فيها الحاج الجمرات، ويدعو الله أن يغفر ذنوبه، يدعو له رجل الأمن الذي يراقب عن بعد: «اللهم تقبل منه، اللهم ارحم تعبه، اللهم اجعله من عتقائك»... وبينما يغادر آخر حاج، ويبدأ التخطيط للموسم القادم، يبقى الشعار معلقاً في قلوب الملايين الذين تشرفوا بزيارة بيت الله، شعار أصبح هوية، وهوية أصبحت أخلاقاً، وأخلاق أصبحت نموذجاً يحتذى في الأرض..

ها هو الحج ينتهي.. لكنه لا ينتهي حقاً..

تلك الروح التي سكنت منى ثلاثة أيام، وتلك الروح التي نامت تحت سماء مليئة بالنجوم وتلك الروح التي مشت حافية على رمال بيضاء، ها هي اليوم تودع كل شيء، والحجاج المتعجلون يغادرون منى، بعضهم يتجه شمالاً، نحو المدينة المنورة، حيث القبة الخضراء والروضة الشريفة، وهناك قبل الرحيل، طواف الوداع حيث فرحة الإنجاز تتصافح مع مرارة الفراق، يودّع الحاج المشاعر، وجوهاً حفرت في قلبه، وجوه أولئك الذين صادفهم في طريقه، فكانوا آيات من الرحمة تسعى على قدمين، يرى وجه جندي سعودي كان واقفاً تحت شمس الظهيرة، يبتسم له وكأنه أخ لم تلده أمه، يرتسم في ذهنه ذلك الجندي الذي أشار له بيده إلى الطريق الصحيح، ثم أهداه ابتسامة دافئة.

وفي امتداد هذا المشهد، يلمح الحاج أولئك المتطوعين والمتطوعات، رجالاً ونساء، وقفوا تحت أشعة الشمس لا يخافون حرها، وأيديهم ترش الماء على وجوه الحجاج، وكلما مرّ بهم حاج، همسوا له هنيئاً لك، حجا مبرورا، لم يفرقوا بين عربي وأعجمي، بين غني وفقير، بين أبيض وأسود، كان الماء يرش، والحب يفيض، والدعاء يعلو اللهم تقبل..

حياكم الله.. كانت نبضاً نابضاً في قلوب كل من خدمه في هذه الأرض المباركة، كانت أنفاساً دافئة تخرج من صدور جنود وموظفين ومتطوعين، آمنوا أن خدمة الحاج هي عبادة.

حياكم الله.. كانت حياة كل أولئك البشر الذين صادفهم الحاج في رحلته.. كانت أيديهم الممدودة، وابتساماتهم المتعبة، وتعبهم الذي أخفوه خلف كرم لا ينضب..

قصة تروى بالجهد والعرق والحب، إنها حلم يتحقق كل عام، ووعد لا يخلفه وطن يجعل من خدمة ضيوف الرحمن فخراً لا يبارى.

والآن، حين يغادر الحاج أرض الحرمين، يظل قلبه معلقاً هناك ويظل يسمع في أعماقه ذلك الهمس الحنون: حياكم الله.. معكم في كل خطوة، معكم في كل حلم، وإلى اللقاء في عام قادم إن شاء الله.

اللهم اجعل هذا العمل خالصاً لوجهك، واجعله شاهداً على محبة هذه الأرض المباركة لضيوفك، وأدم على بلاد الحرمين أمنها وعزها وكرامتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد