: آخر تحديث

رؤية 2030.. السعودية التي أعادت تعريف المستقبل

7
8
6

لقد كان لقيادة ولي العهد دور حاسم في تحويل الرؤية من وثيقة إلى واقع، ومن آمال إلى مؤشرات، ومن خطاب إلى مشاريع.. ومع مرور الوقت يتأكد أن المملكة لا تسير نحو 2030 فحسب؛ بل تعبر نحو ما بعدها؛ نحو دولة أكثر تنوعًا، ومجتمع أكثر حيوية، واقتصاد أكثر استقلالًا، وحضور دولي أكثر تأثيرًا..

بعد إطلاق رؤية المملكة 2030، لم يعد الحديث عنها مجرد استعادة لبرنامج إصلاحي طموح، بل قراءة في تحوّل بنيوي عميق أعاد تعريف علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع والمستقبل. فالرؤية التي انطلقت بإرادة الملك سلمان بن عبدالعزيز، -حفظه الله- وبقيادة عرّابها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم تكن وثيقة تنموية تقليدية، بل مشروع دولة ينتقل بالمملكة من مرحلة الاعتماد على الموارد إلى مرحلة صناعة الفرص، ومن إدارة الحاضر إلى هندسة المستقبل.

يكشف التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025، كما تعكسه البيانات المعلنة، أن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن أرقامًا معزولة، بل مؤشرات على انتقال المملكة إلى مسار جديد في الاقتصاد والتنمية وجودة الحياة. فبلوغ مساهمة القطاع الخاص 51 % من الناتج المحلي الإجمالي يمثل علامة فارقة في إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني. هذه النسبة لا تعني فقط نمواً في دور الشركات والمؤسسات، بل تعني أن الدولة نجحت في خلق بيئة أكثر حيوية، وأن القطاع الخاص بات شريكًا حقيقيًا في التنمية، لا مجرد تابع للدورة النفطية أو الإنفاق الحكومي.

ومن اللافت أيضاً وصول العمر المتوقع إلى 79.7 سنة، وهو رقم يتجاوز دلالته الصحية المباشرة إلى معنى أوسع يرتبط بتحسن جودة الحياة، وتطور الخدمات الصحية، وارتفاع الوعي المجتمعي، وتحسن البنية الحضرية. فالدولة التي تطيل عمر الإنسان إنما تستثمر في الإنسان ذاته؛ في صحته وإنتاجيته واستقراره وكرامته. وفي السياق ذاته، تأتي ممارسة 59.1 % من السكان للنشاط البدني لمدة 150 دقيقة أسبوعياً أو 75 دقيقة مكثفة، لتؤكد أن التحول لم يمس الاقتصاد فقط، بل امتد إلى أنماط الحياة والثقافة اليومية.

على الصعيد الاجتماعي، تبدو مشاركة المرأة في سوق العمل بنسبة 35 % من أبرز الشواهد على التحول الهادئ والعميق في بنية المجتمع السعودي. لم تعد المرأة رقماً في تقارير التنمية، بل أصبحت شريكاً في سوق العمل، وفي الإدارة، وفي ريادة الأعمال، وفي صناعة القرار الاقتصادي والاجتماعي. هذا التحول لم يحدث كاستجابة ظرفية، بل جاء ضمن تصور شامل يرى أن طاقة المجتمع لا تكتمل إلا بمشاركة جميع أفراده.

أما الرقم المتعلق بعدد المعتمرين، والبالغ 18.03 مليون معتمر من خارج المملكة، فيكشف جانباً آخر من الرؤية: تعزيز المكانة الروحية للمملكة عبر رفع الطاقة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمات. هنا تتلاقى القداسة مع الإدارة الحديثة، والرسالة الدينية مع التقنية والتنظيم والبنية التحتية. إن خدمة ضيوف الرحمن لم تعد فقط واجباً تاريخياً، بل أصبحت أيضاً نموذجاً عالمياً في إدارة الحشود والخدمات اللوجستية والضيافة.

اقتصادياً، تشير قيمة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي البالغة 4.9 تريليونات ريال إلى أن التنويع الاقتصادي لم يعد شعاراً مستقبلياً، بل واقعاً يتشكل بالأرقام. كما أن مساهمة القطاع غير الربحي بنسبة 1.4 % من الناتج المحلي الإجمالي تعكس اتساع مفهوم التنمية، بحيث لم تعد محصورة في السوق والدولة، بل تشمل المجتمع المدني والعمل الخيري والمؤسسات الأهلية. هذا القطاع سيكون أكثر أهمية في السنوات المقبلة، لأنه يعزز التماسك الاجتماعي ويخلق مبادرات نوعية في التعليم والصحة والثقافة والخدمات.

ومن المؤشرات ذات الدلالة العالمية حلول المملكة في المرتبة السادسة عالمياً بين مئة دولة في محور تطوير الحوكمة والمرونة، واحتلالها المرتبة 38 في مؤشر الأداء اللوجستي الصادر عن البنك الدولي. هذه الأرقام تعني أن المملكة لا تطور اقتصادها الداخلي فحسب، بل تعيد تموضعها في سلاسل الإمداد العالمية، وتبني لنفسها موقعاً بين الشرق والغرب، وبين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وإذا استمر هذا المسار، فإن المملكة مرشحة لأن تصبح واحدة من أهم المراكز اللوجستية والاستثمارية في العالم.

ولا يقل أهمية عن ذلك تسجيل ثمانية عناصر تراثية سعودية في قائمة التراث العالمي لليونسكو. فالرؤية لا تنظر إلى المستقبل باعتباره قطيعة مع الماضي، بل امتداداً واعياً له. إن إبراز التراث السعودي يمنح التحول الاقتصادي روحاً وهوية، ويؤكد أن المملكة الحديثة لا تتخلى عن جذورها، بل تجعل منها رافعة للقوة الناعمة والسياحة والثقافة والانتماء الوطني.

وفي مجال تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، تعكس نسبة 11.3 % من قروض هذه المنشآت إلى إجمالي قروض البنوك تحسناً مهماً، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تحدٍ مستقبلي أكبر: كيف ننتقل من تمويل المنشآت إلى بناء شركات قادرة على المنافسة والتصدير والابتكار؟ كذلك فإن بلوغ عدد المتطوعين 1.7 مليون متطوع يعبر عن تحوّل في الثقافة العامة، من انتظار الخدمة إلى المشاركة في صنع الأثر.

استشرافياً، تبدو المملكة أمام مرحلة ثانية أكثر تعقيداً وأعلى سقفاً. المرحلة الأولى من الرؤية أثبتت القدرة على الإصلاح والتنفيذ وكسر الجمود. أما المرحلة القادمة فستكون اختباراً لجودة الاستدامة، وتعميق الإنتاجية، وتوسيع الابتكار، وتوطين التقنية، وتعزيز تنافسية التعليم، وخلق وظائف نوعية تتناسب مع اقتصاد المستقبل. فالتحدي لم يعد في إطلاق المبادرات، بل في تحويلها إلى مؤسسات دائمة وثقافة عمل راسخة.

إن القيمة السياسية الكبرى لرؤية 2030 أنها منحت المجتمع السعودي سردية وطنية جديدة: سردية الثقة والطموح والإنجاز. وقد كان لقيادة ولي العهد دور حاسم في تحويل الرؤية من وثيقة إلى واقع، ومن آمال إلى مؤشرات، ومن خطاب إلى مشاريع. ومع مرور الوقت يتأكد أن المملكة لا تسير نحو 2030 فحسب، بل تعبر نحو ما بعدها؛ نحو دولة أكثر تنوعاً، ومجتمع أكثر حيوية، واقتصاد أكثر استقلالاً، وحضور دولي أكثر تأثيراً.

وهنا يكمن جوهر اللحظة السعودية الراهنة: أن الطموح لم يعد وعدا ينتظر التحقق، بل أصبح مسارا تمشي عليه دولة تعرف إلى أين تريد أن تصل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد