: آخر تحديث

أهمية السرد الاستراتيجي للحكومات

28
31
33
مواضيع ذات صلة

السرد الاستراتيجي المتقن يجعل الدول أكثر قدرةً على التأثير على ما يحدث في مجالها الداخلي والخارجي، الحيوي والدولي ككل لتنتقل من السعي إلى السيطرة، ومن التحكم إلى التأثير، ومن الردع الدفاعي والهجومي إلى المشاركة المدنية والمنافسة لتحويل التركيز من الأصول العسكرية إلى الأصول المدنية. ومن يسيطر على العالم اليوم هو من يملك اليد الطولى تكنولوجياً وعلمياً واقتصادياً، فكانت القوى العسكرية نتاجاً طبيعياً لذلك التفوق، ولذلك فالسرد الاستراتيجي يعبّر عن توجهات وسياسات الدول كقصة لشرح كيف تساهم الدول في النظام العالمي بصورة فعالة، وماذا تفعل الدولة لمواطنيها من أمور ضرورية من خلال روايات تطغى على روايات المنافسين ويرى أثرها في حياة الفرد.

ومن المهم هنا أن يفهم الفرد في المجتمع ما هي الغايات والأهداف الكبرى لدولته ويقتنع بها. ويتبنى التسويق لها حتى دون أن يشعر، فالسرد الإستراتيجي أحد أهم الركائز التنافسية المهمة وعامل استقرار في الداخل قبل الخارج.

ففي العملية الاستراتيجية للسرد الوطني لا يجب أن يتم التركيز على الاتصال الهرمي التقليدي، والتخلي عن المشاركة في بيئة المعلومات الأوسع للآخرين، الذين قد يكون لديهم أجندات معادية للمصالح الوطنية أو رفاهية الداخل، أو قد يكونون أفراداً في الداخل لا يستطيعون أن يفهموا أجندة حكوماتهم المحلية.

ويمكن للروايات الاستراتيجية أو القصص الشاملة أن تشرك الجمهور في صنع القرار بصورة غير مباشرة، وقبل تنفيذ قرار عام مثلاً تُدرس المرونة المجتمعية اللازمة لمقاومة الصدمات والضغوط وتشكيل نواة صلبة يمكن للآخرين أن يتحدوا فيها، حيث يصبح السرد الاستراتيجي على المستوى الأساسي هو قصة يتم فيها تبسيط الأفكار المعقدة المدمجة في الاستراتيجيات والقرارات، التي يجب أن تكون سهلة الفهم للجمهور، ولا تتعارض مع مصالح العامة.
والجديد هو قدرة الأفراد على المنافسة والتواصل والتعاون عالمياً وليس فقط محلياً كأفراد يشكلون حلقات معارضة تتشكل ببطء ويصعب قياسها إلا بعد فوات الأوان، وخاصةً أن معظم مؤسسات العالم بُنيت من أجل عالم اختفى، حيث تشهد العديد من البلدان ارتفاعاً حادًا في الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 20 عاماً وهم لديهم مطالب محددة؛ ولديهم احتياجات خاصة، وسيكون لديهم توقعات تختلف تماماً عن الأجيال التي سبقتهم، ولربما اندمجت الأجيال وتطورت فكرة انصهار الأجيال بفضل التكنولوجيا، وبالتالي فكرة الأجيال نفسها مهددة بالانقراض بصورتها التقليدية.

ويبدو لي أن الرسائل الحكومية في المستقبل القريب جداً ستكون ذكية لدرجة أن السرد الاستراتيجي سيكون ذكياً وتقنياً، واتصال بسيط ومباشر بين المشكلة والحل الخاص بكل فرد، وسيكون آلة تمكين خارقة وسد ثغرة الانفصال بين روايات النخب الكبرى وحياة الناس اليومية ومشاعرهم الفردية، والتقليل من أهمية الخصائص الزمنية للخطاب الاستراتيجي الذي يقبله الجمهور ويتعرف عليه، ناهيك عن الاهتمام بالروايات الجيوستراتيجية للدول، والتي يجب أن لا تتعارض مع الروايات الداخلية.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد